السيرة النبوية


نسبة السنة إلى القرآن من حيث ما ورد فيها من الأحكام

( إن نصوص السنة على ثلاثة أنحاء لا نزاع بين العلماء فيها )
كل نص يأتي عن النبي ? فهو لا يخرج عن أحد ثلاثة أشياء وهي :
1- إما أن يأتي بما في القرآن .
2- وإما أن يبين ما في القرآن.
3- وإما أن يأتي بشيء زائد على ما في القرآن.

هذه الثلاثة لا رابع لها فإن كان من رابع فهو داخلٍ تحت واحدٍ منها .

القسم الأول
أن تأتي السنة بما في القرآن


وفي هذا القسم تأتي أحاديث هي هي آيات في القرآن كالأحاديث التي تحرم الشرك وعقوق الوالدين وتحرم شهادة الزور وكالأحاديث التي تقضي بوجوب الزكاة والصلاة والصيام والحج فهذه موجودة بنصّها في القرآن وإليك طرفاً من ذلك :
1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ? : ( بني الإسلام علي خمس : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله , وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة , وحج البيت ، وصوم رمضان )(1) فهذا الحديث هو عين قول الله تبارك وتعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } [ آل عمران : 18 ].
وعين قوله تبارك وتعالى : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [ الأحزاب : 40 ] ، وعين قوله ? : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ المزمل : 18 ] ، وعين قوله سبحانه : {ولله على الناس حج البيت } [آل عمران : 97 ] ، وقوله : { كتب عليكم الصيام } [ البقرة : 183].
2- عن جابر ? قال : قال رسول الله ? : « من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار » (2) فهذا الحديث هو عين قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] ، وقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ].
3- عن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ? : « رَغِمَ أنفه ثم رَغِمَ أنفه ثم رَغِمَ أنفه من أدرك أبويه عند الكبر : أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة » (3) فهذا مقتضى قوله تعالى : { وبالوالدين إحساناً } [ الإسراء : 23 ].
4- عن أبي بكرة ? قال : قال رسول الله ? : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟! » قلنا : بلى يا رسول الله قال : « الإشراك بالله وعقوق الوالدين » وكان متكئاً فجلس وقال : « ألا وقول الزور وشهادة الزور » فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت(1) هذا هو قوله تعالى : { واجتنبوا قول الزور } [ الحج : 31 ].
5- عن أبي هريرة ? قال : قال رسول الله ? : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » (2) ، هذا هو قوله تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة : 5 ].
6- وكحديث أبي حميد الساعدي أن النبي ? قال : « لا يحل لامرئٍ مسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه » (3) يُنَبِّه على الحقير فأنت ممنوع من الخطير من باب أولى . فلما تسمع قوله تعالى : { فلا تقل لهما أفٍ } [ الإسراء : 24 ] تعلم أن الضرب لا يجوز . إذا منعك أن تقول { أفٍّ } فلئن يمنعك من أن تضرب من باب أولى. فإن لم يجز لك أن تأخذ عصا أخيك إلا بطيب نفس منه فماله ودمه وعرضه من باب أولى . هذا المعنى موجود في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم } [النساء : 29].
7- وكقوله ? في الحديث الذي رواه الشيخان في حجة الوداع قال : « استوصوا بالنساء خيراً » (4) ... الحديث ، هذا المعنى موجود في قوله تعالى : { وعاشروهن بالمعروف } [النساء : 19 ] ، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة مع آيات . ما يوجد في الحديث هو ما يوجد في الآية كأنما هذا يؤكد ذاك.

القسم الثاني
أن تَأْتِيَ السنة لتبين ما في القرآن.


وهذا النوع هو أكثر الأحاديث وروداً . أن تأتي السنة فتبين ما في القرآن العظيم من الإجمال والإبهام وهذه هي وظيفة النبي ? بعد تبليغه لفظ القرآن يبقى بيانه.
كما قال تبارك وتعالي : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم}[ النحل :44 ] فبغير هذا البيان لا تصل إلي مراد الله.
لذلك قال علماؤنا – وهذا ما أشرنا إليه في المقدمة الذي ردّ في نحر النص برأيه الفاسد له هنا أيضاً مزلق – من سلفنا من قال ومنهم : مكحول , ويحي بن أبي كثير والدارمي وابن عبد البر وجماعه من العلماء لهم عبارة مشهورة وهي : (أن السنة تقضي علي الكتاب )(1) وقد تأتي هذه العبارة في بعض المواضع بلفظ آخر وهو : (السنة قاضيه علي الكتاب ) فقال هذا الرجل : (من قال إن السنة قاضيه علي الكتاب فهو مغرور ) وليس في العبارة ما يستنكر لكن الجاهل عدو نفسه إذ ليس في العبارة شيء يقتضي الرد.
ما معني السنة قاضية علي الكتاب ؟
هل هي مقدمة علي الكتاب ؟

هذا هو الذي فهمه ذاك !!.
أما معني السنة قاضية علي الكتاب : أن آيةً من كتاب الله قد تأتي تحتمل معنيين فتقضي السنة لأحد المعنيين علي الآخر .
فهي إذاً قاضي علي الكتاب . هذا معنى .
أو ترجح أحد المعنيين علي الآخر فيؤخذ بها ويترك ظاهر الكتاب ، وإليك مثال لبيان المعنى :
قال الله تبارك و تعالى : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [ البقرة : 223 ] .
{ أنَّى } معناها : ( أين )(2) تعني المكان . فيفهم بهذا المعنى أنه يجوز أن تؤتى المرأة في دبرها . قال بذلك الشافعي والمازري وغيرهما : أن هذه الآية بظاهرها تقتضي ذلك . قال الشافعي : لكني أحرم ذلك لورود حديثٍ ثابتٍ في المنع(3) .
فيبدو لك أن الشافعي حرم الدبر بالحديث وترك مقتضى ظاهر الكتاب لأن ظاهر القرآن يقتضي الجواز.
وهناك معنى آخر وهو : أن { أنَّى } تعني موضع الحرث . { نساؤكم حرث لكم } فموضع الحرث هو موضع الإنبات . فلا يمكن هذا الحرث يأتي إلا إذا أتى الرجل أهله في محل الولد لأنه لو أتاها في دبرها لما أولدها أبداً أبداً . إذاً فالدبر ليس بحرث لأن الإنبات لا يمكن أن يكون إلا في محل الولد . { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم } .
فهذه الآية تحتمل هذا المعنى وذاك . فرجحنا المنع بحديث خزيمة بن ثابت : « لا تأتوا النساء في أدبارهن»(1).
قال المازري : الآية حجة في الجواز لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مخصصة لعموم الآية (2).
إذن تُرِكَ مقتضى ظاهر الكتاب أم لا ؟
الجواب : ترك .
ترك بماذا ؟
الجواب : ترك بالسنة .
فهذا هو معنى : ( السنة قاضية على الكتاب ).
* مثال آخر لبيان أن ( السنة قاضية على الكتاب ) :
قال تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ } [ البقرة : 228 ] ، القرءُ هذا طهر أم حيض؟
إذا طلقت امرأتك تلبث ثلاثة حيضات أم ثلاثة أطهار ؟
نرجع إلى اللغة العربية لأن هذا كلام عربي مبين . فنجد في اللغة العربية أن كلمة ( قرء ) معناها : حيض ومعناها : طهر . المعنى وعكسه واللغة العربية من الأبواب التي تتميز بها عن لغات العالم الأخرى هذا الباب ( باب الأضداد ) لفظة واحدة تحمل المعنى وعكسه . كقوله تعالى : { وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } [ الكهف : 79 ] ( وراءهم ) بمعنى : أمامهم . لأنه لو كان ورائهم على الحقيقة فلم يخرقون السفينة وقد تجاوزوه إنما خرقها لأنهم سيمرون عليه إذاً فهو أمامهم . فهذا مما تنفرد به لغتنا العربية وكلمة ( قرء ) من هذا الباب تعني : حيضٌ وطهرٌ . فمن أين لنا أن نرجح أنها حيض أو طهر ؟ نأتي السنة فنجد النبي ? قال للمستحاضة : ( تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي ... ) (3) الحديث .
فبهذا الحديث يكون القرء حيض إذ لا يُتَصَوَّرُ أن المرأة تدع الصلاة أيام الطهر ! وأنشدوا قول ابن الأعرابي في الرجز :
يا رُبَّ حاسدٍ عَليَّ باغضٍ لهُ قروءٌ كقروءِ الحائض(1)
يقول : رُبَّ إنسان حاسد عليَّ يهيج في فترات ويظهر لي عداوته كما تهيج المرأة في وقت الحيض فظهر بذلك أن القرء حيض وبهذا قال خلق كثير من سلف الأمة ومن الصحابة . فممن قال إن القرء حيض :
1- أبو بكر الصديق 2- عمر بن الخطاب 3- عثمان بن عفان
4- عليُّ بن أبي طالب 5- أبو الدرداء 6- عبادة بن الصامت
7- أنس بن مالك 8- عبد الله بن مسعود 9- معاذ بن جبل
10- وأُبيّ بن كعب 11- أبو موسى الأشعري 12- عبد الله بن عباس
13- سعيد بن المسيب 14- وعلقمة 15- والأسود
16- وإبراهيم 17- ومجاهد بن جبر 18- وعطاء
19- وطاوس بن كيسان 20- وسعيد بن جبير 21- وعكرمة
22- ومحمد بن سيرين 23- والحسن 24- وقتادة بن دعامة السدوسي
25- والشعبي 26- والربيع 27- ومقاتل بن حيان
28- والسُّدِّيُّ 29- ومكحول 30- والضَّحاك
31- وعطاء الخرساني
جميع هؤلاء قالوا : الأقراء : الحيض.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل وحكى عنه الأثرم أنه قال : ( الأكابر من أصحاب رسول الله ? يقولون : الأقراء : الحيض . وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح بن حي وأبي عبيد وإسحاق بن راهوية ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ? قال لها : « دعي الصلاة أيام أقرائك » (2).
- وأما الوجه الثاني الذي يقول : إن القرء طُهْرٌ فبه قال مالك وقال في ( الموطأ ) : ( عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت : صدق عروة . وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا : إن الله تعالى يقول في كتابه { ثلاثة قروء } فقالت عائشة : صدقتم وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار )(1).
وقال مالك : عن ابن شهاب سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول : ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاّ وهو يقول ذلك يريد قول عائشة (2).
وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها . وقال مالك : وهو الأمر عندنا (3) ، وروي مثله عن :
1- ابن عباس 2- وزيد بن ثابت 3- وسالم مولى أبي حذيفة 4- والقاسم
5- وعروة 6- وسليمان بن يسار 7- وأبي بكر بن عبد الرحمن 8- وأبان بن عثمان
9- وعطاء بن أبي رباح 10- وقتادة 11- والزهري 12- وبقية الفقهاء السبعة(4)
13- وهو مذهب مالك 14- والشافعي 15- وغير واحدٍ وداود وأبي ثور ، وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] أي في الأطهار.
ولما كان الطهر الذي يُطَلَّق فيه محتسباً دَلّ على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء : إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة .
واستدلوا بأدلة أخرى منها حديث ابن عمر في ( الصحيحين ) أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ? فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ? عن ذلك فقال رسول الله ? : « مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء » (5).
واستدلوا من العربية بقول الأعشى :
ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وهي في الحيِّ رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا
يمدح أميراً من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها (6) . فعلى هذا يكون القرء طهراً .
وبالنظر في مجموع الأحاديث تبين أن القرء : حيض .
وبالنظر أيضاً نجد أن الأوفق والأرفق بالمرأة أن يكون القرء حيضاً وإليك هذه الصورة :
امرأة طلقها زوجها في طُهْرٍ لم يمسها فيه وهذا هو الطلاق الشرعي أن يطلقها في طهرٍ لم يمسها فيه .
أ?. فلو كان القرء حيضاً فتكون عدتها : حيض ثم طهر ثم حيض ثم طهر ثم حيض ، وفي أول الحيضة الثالثة تنقضي العدة.
ب?. ولو كان القرء طُهْراً فتكون عدتها : حيض ثم طهر ثم حيض ثم طهر ثم حيض ثم طهر .
فلو كان القرء طهراً لطالت المدة على المرأة ومعلوم أن تقصير مدة العدة على المرأة أفضل من تطويلها . لأن طويل مدة العدة فيه نوع إعنات للمرأة في أن تنكح زوجاً غيره والشريعة لم تأت بهذا .
قال أبو عمرو بن العلاء : ( العرب تسمي الحيض قرءاً ، وتسمي الطهر قرءاً ، وتسمي الطهر والحيض جميعاً قرءاً ).
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : ( لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض ويراد به الطهر وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين )(1).
قلت : وقد ظهر أن القرء حيض وهو الأوفق والأرفق بالمرأة .
فهذه لفظة فيها معنيان رجحنا أحد المعنيين على الآخر وهو أن القرء حيض بالحديث . فصارت ( السنة قاضية على الكتاب ) فليس في العبارة ما يُسْتَنْكَرَ لكن كما قلت : الجاهل عدو نفسه .

كيفية قضاء السنة على القرآن

السنة تقضي على القرآن بثلاثة أوجه :
1- الأول : إما أن تُبَيِّنَ مجمله .
2- الثاني : وإما أن تخصص عامه .
3- الثالث : وإما أن تقيِّد مطلقه .

الوجه الأول
أن تأتي السنة فَتُبَيِّنَ مجمل القرآن


    تعريف المجمل :
لغة : هو المبهم مأخوذ من أجمل الأمر أبهمه .
اصطلاحاً : هو لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمل وبيان من جهته يعرف به المراد (1). إذاً فهو : ما لم تتضح دلالته . والمراد ما كان له دلالة في الأصل ولم تتضح(2).
 تعريف المُبَيَّن :
لغة : هو المُظْهَرُ الواضح .
اصطلاحاً : هو العلم الذي يتبين به المعلوم (3) أي هو الذي ظهر المراد منه بنفسه من غير توقف على أمر خارجي(4).
فمن المجمل في القرآن : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فجاءت السنة فبينت لنا عدد الركعات والسجدات ومواعيد الصلاة وكيفيتها وما أخطأت فيه وواجباتها وما تبطل به ، والطهارة كيف تكون . وأنصبة الزكاة وأنواعها ، والصيام مفسداته ومكروهاته والحج والعمرة إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت مجملة في كتاب الله تعالى فبينتها السنة .
ويحسن هنا إيراد كلام عمران بن حصين المتقدم لما قال للمعترض عليه : إنك امروءٌ أحمق أين تجد في القرآن أن : الظهر أربعاً والعصر أربعاً لا قراءة فيها وأن المغرب ثلاثاً وأن العشاء أربعاً وأن الفجر اثنتان فيها قراءة؟ فكل هذا مجمل في القرآن فبينته السنة المباركة .

الوجه الثاني
أن تأتي السنة فتخصص عموم القرآن


تعريف الخاص :
لغة : هو المنفرد من قولهم : اختص فلان بكذا أي انفرد به .
اصطلاحاً : هو كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد(1) ، أو هو : قصر العام على بعض مسمياته(2) يعني قصر اللفظ على بعض أفراد العام .
 تعريف العام :
لغة : هو شمول أمر لمتعددٍ سواءً كان الأمر لفظاً أو غيره(3) .
اصطلاحاً : هو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر(4) ، وقيل : هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب واحد دفعة واحدة (5).
 صيغ العموم :
من صيغ العموم : ( أل – كل – ما – من – الذي – الذين – اللائي – اللاتي – الذان - ... الخ )
فلو قلت : يا معشر الرجال فكلمة الرجال جمعٌ ومحلى بـ ( أل ) فيشمل كل من يقع تحت وصف الرجل .
فهذا عموم لا تستشعره في قوله تعالى : { من المؤمنين رجال } فكلمة { رجال } لا تشمل كل رجل ويدل على هذا قوله تعالى : { من } التي تفيد البعضية .
ولبيان العموم في القرآن الكريم وكيف خصَّصته السنة إليك هذه الأمثلة :
    الأول :
بعد أن ذكر الله تبارك وتعالى آية المحرمات وهي : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً . والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم } [ النساء : 23-24 ] ثم قال تبارك وتعالى بعد هذا التحريم مباشرة : { وأحل لكم ما وراء ذلكم }.
فالمعنى على مقتضى ظاهر الكتاب : أن كل امرأة لم يَحْرُم عليك نكاحها في هذه الآية فنكاحها حلال لك هذا هو مقتضى ظاهر القرآن لأنه تبارك وتعالى بعد ذكر المحرمات بلفظ الحرمة الصريح : { حُرِّمَتْ } قال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } بلفظ الحِلِّ الصريح أيضاً ، ولأن ( ما ) في الآية من صيغ العموم فإن جميع النساء بخلاف المنصوص على حرمة نكاحهن في الآية يحل لك نكاحهن .
على هذا فهل يجوز لك إذا تزوجت بامرأة أن تتزوج عمتها أو خالتها وهي تحتك ؟
الجواب : لا يجوز . يَحْرُم عليك أن تتزوج عمة أو خالة زوجتك التي هي تحتك . إذاً فمن أين جئنا بهذا التحريم وليس في القرآن ؟
الجواب : جئنا به من السنة .
جئنا به من حديث أبي هريرة وجابر وأبي موسى وأبي سعيد أن النبي ? قال : « لا تُنكح المرأةُ على عمتها ولا على خالتها » (1).
والحديث الآخر : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على ابنة أخيها ، ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى » (2).
فهذا عموم الآية إباحة نكاح النساء عدا المنصوص فيها على حرمة نكاحهن . فجاءت السنة فخصصت من هذا العموم ما قد ذكرنا. 

الثاني :
قال تبارك وتعالى : { إنما حرَّم عليكم الميتةَ والدَّمَ } [ البقرة : 173 ]
فهذا أيضاً عموم . ومعنى الآية على مقتضى ظاهر القرآن هو : تحريم جميع الميتات وجميع الدماء لكن جاء في هذه الآية مخصصان هما :
• الأول من القرآن وهو : قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إلىّ محرماًعلى طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً } [ الأنعام : 145 ] فبقيت الميتة على عمومها محرمة واستثنى من الدماء نوعاً وحرَّمه وهو الدم المسفوح – السائل المتدفق – فلو نظرنا مثلاً إلى الكبد والطحال لوجدناهما دماً لكنه غير مسفوح – متجمد – والدم المحرم هو الدم المسفوح فبدلالة الآية إذا حرّم الدم المسفوح فيكون أجاز الدم غير المسفوح .
• الثاني : ولو نظرنا في السنة لوجدنا النبي ? قال: « أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال » (1).
إذاً كيف تفهم الآية ؟
تفهم هكذا : { إنما حرم عليكم الميتة } إلاّ : الحوت والجراد ، { والدم } إلاّ : الكبد والطحال .
فجاءت السنة هنا فخصصت عموم القرآن .
جاء القرآن بتحريم الميتة والدم فاستثنت السنة من كلٍ منهما نوعين كما ظهر .
 فائدة هامة ?
هب أنه ليس عندك نص خاص وليس عندك إلاّ العموم فهل تعمل به أم تتوقف ؟
الجواب : تعمل به ولا تتوقف . تعمل بالعموم ولا تتوقف إنما تعمل بما جاءك من الوحي والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال : بعثنا رسول الله ? وأمَّرَ علينا أبا عبيدة ابن الجراح نتلقى عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمرٍ لم نجد له غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله وانطلقنا على ساحل البحر فَرُفِعَ لنا كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة : ميتة ولا تحل لنا ، ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله ? وفي سبيل الله وقد اضطررتم إليه فكلوا فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثمائة حتى سمنا فلما قَدِمْناَ إلى رسول الله ? ذكرنا ذلك له فقال : « هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا منه ؟ » فأرسلنا منه إلى رسول الله ? فأكل )(2).
وعند مسلمٍ في صحيحه : ( قال : ولقد رأيتنا نغترف من وَقْبِ عينه (3) بالقِلالِ الدهن ونقتطع منه الفِدَرَ(1) كالثَوْر أو قدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقْبِ عينه وأخذ ضِلْعاً من أضلاعه فأقامها ثُمَّ رَحَلَ أعظم بعير معنا فمرَّ من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق (2) فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ? .... ) الحديث.
فهذا أبو عبيدة أحد العشرة المبشرين بالجنة ? خفيت عليه سنة التخصيص فقال : ( ميتة ولا تحل لنا ) عملاً بالعموم { حرمت عليكم الميتة } لكنه استخدم الرخصة في نفس الأمر : { فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } فعمل بالعموم الذي جاءه ولم يتوقف حتى يأتيه المخصص .
فيجب عليك إذا كان عندك في أي حكمٍ نصٌّ عام وليس عندك مخصص له أن تعمل بالعام ولا تنتظر حتى يأتيك المخصص لأنك لو انتظرت حتى يأتيك المخصص قد تموت ولا يتهيأ لك معرفته فتكون قصرت فيما أُمِرْتَ بتمامه. والله أعلم.
? الثالث :
ومن العموم أيضاً في القرآن العظيم الذي خُصَّ بالسنة النبوية قول الله تبارك وتعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنف بالأنفِ والأذنَ بالأذنِ والسنَ بالسنِ والجروح قصاصٌ } [ المائدة : 45].
فلو نظرنا في الآية لوجدنا الألفاظ : ( النفس – العين – الأنف – الأذن – السن – الجروح ) كلها محلاة بالألف واللام فتفيد العموم فيكون مقتضى هذه الآية : أن أي رجل قتل أي رجل يُقْتَلُ به وهذا هو نصُّها : { أن النفس بالنفس } فلو قتلت أي رجل تقتل به فجاءت السنة فخصصت من هذا العموم ما يأتي :
1- قال ? : « لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافرٍ » (3) فخصّصت أنه لا يجوز أن يُقْتَلَ مسلمٌ بكافرٍ.
2- وخصّصت السنة من عموم هذه الآية أنه : ( لا يقتل والدٌ بولده )(4) فلو أن الوالد قتل ولده لا يقتل به لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : ( نحلتُ لرجلٍ من بني مدلج جارية ، فأصاب منها ابناً ، فكان يستخدمها فلما شبَّ الغلام دعاها يوماً ، فقال اصنعي كذا وكذا ، فقال : لا تأتيك ، حتى متى تستأمي أمي(5) ؟! قال : فغضب ، فحذفه بسيفه ، فأصاب رجْلَهُ ، فنزف الغلام فمات ، فانطلق في رهطٍ من قومه إلى عمر بن الخطاب ? فقال : يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك ؟! لولا أني سمعت رسول الله ? يقول : « لا يُقاَدُ الأَبُ من ابنه » لقتلتك هَلُمّ ديته ، قال : فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير ، قال : فخير منها مائه فدفعها إلى ورثته وترك أباه )(1).
فعلى هذا يكون مفهوم الآية بعد التخصيص هكذا : { أن النفس بالنفس } إلا أن يكون المقتول كافراً ، أو ولداً ، فلا يُقْتَلُ القاتل بأحدهما.
? الرابع :
قال تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } الآية [ النساء : 11 ].
هذه الآية خُصَّصت بحديثين كل حديث منهما ورد على معنى وهما :
- الحديث الأول : قوله ? عن عائشة رضي الله عنها : أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ? وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فَدَكٍ وسهمهما من خيبر . فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله ? يقول : « لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمدٍ من هذا المال » قال أبو بكر : والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله ? يصنعه فيه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت )(2).
إذاً فكيف تؤخذ الآية ؟
تؤخذ هكذا : { للذكر مثل حظ الأنثيين } إلا أن يكون وَلَدَ نَبِيٍّ فلا يرث .
- الحديث الثاني : قوله ? : « لا يرث القاتل شيئاً » (3).
فتفهم الآية هكذا : { للذكر مثل حظ الأنثيين } إلا أن يكون ولد نبيٍّ أو قاتل .
فخصَّصنا القرآن بالسنة والأحاديث في هذا المعنى أشهر من أن تسطر وأكثر من أن تحصر في مثل هذه العجالة وفي ذلك ذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
فالأمثلة السابقة دلت على أن القرآن العظيم فيه عموم والسنة تقضي عليه بتخصيص بعض أفراده وذلك بقصر اللفظ على بعض أفراد العام .

الوجه الثالث
أن تأتي السنة فتقيد مطلق القرآن


 تعريف المقيد :
هو ما دلّ لا على شائع في جنسه أو هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها (1) .
أو هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه مع تقييده بوصف من الأوصاف (2).
? تعريف المطلق :
هو ما دَلَّ على شائع في جنسه(3) أو هو اللفظ الدال على فرد أو أفراد غير معينة وبدون أي قيد لفظي (4) مثل رجل ورجال وكتاب رقبة .
وهو ورود النكرة في صيغة الإثبات (5).

 مثال على ذلك ?
قال تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتُّم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } [ المائدة : 89] فهذه الآية جاءت فيها هذه الألفاظ : ( مساكين – رقبة ) فهاتان نكرتان في سياق إثبات تفيد الإطلاق فإطعامك المسكين هنا يجزئك فيه أي مسكين رجلاً كان أو امرأة حُرّاً كان أو عبداً كما أن عتقك الرقبة أيضاً يجزئك فيها أي رقبة ذكراً كان أو أنثى مسلماً كان أو كافراً .
هذا الإِطلاق قد لا تستشعره في قوله تعالى : { وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطئاً ومن قتل مؤمِناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة } [ النساء : 92 ] فلا تجزئ الرقبة الكافرة لأن الله ? قيدها بالإيمان بخلاف كفارة اليمين تجزئ أي رقبة على إطلاقها أما هنا فلا يجزئ غير وصف الإيمان في الرقبة .

مثال آخر ?
قال تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } الآية [ المجادلة : 3-4 ] .
الرجل إذا ظاهر من امرأته يعاقب بتحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.
فقيد الصوم بالتتابع فلو صامها متفرقات لم يجزئه ذلك . وهذا خلاف قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر} [ البقرة : 184 ] فإن صامها متفرقات أو متتابعات أجزأه ذلك لأن اللفظ مطلق فلك الخيار .
بعد أن اتضح لك المطلق والمقيد خذ بارك الله فيك هذا المثال :
قال تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ]
فكلمة : { أيديهما } نكرة وجاءت في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق . واليد لفظ عام يطلق على اليد من الكف إلى الكتف . فإذا سرق سارق نقطع يده من أين ؟! من الرسغ أم من المرفق أم من الكتف ؟ وكل هذه يدٌ . من أين نقطع يد السارق وليس في القرآن نصٌ يبين مكان القطع ؟
فهذا إطلاق في كتاب الله تعالى قيدته السنة بثلاثة قيود وهي :
1- قيمة المسروق.
2- المكان الذي سرق منه – الحرز - .
3- أن لا يكون للسارق شبهة حق في المسروق .
إذا نفينا هذه الثلاثة نقطع يده.
أولاً : متى يقال هذا سارق ؟ هل ورد فيها نص من كتاب الله ? ؟
الجواب : لم يرد .
إذاً فهيا بنا إلى هذا الصرح الشامخ – السنة النبوية المباركة – لنرى هل ورد فيها نص بذلك فنجد أن النبي ? قال : « تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً » (1) فلو سرق أقل من ربع دينار لا يسمى سارقاً ، ولو سمي سارقاً لا تقطع يده لأن قيمة نصاب القطع لم تبلغ ، والنبي ? قطع يداً في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم « تقطع اليد في ثمن المجنَّ » (2) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : « أن رسول الله ? قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم » (1) فلا تعارض بين الحديثين لأن ثلاثة دراهم تعدل ربع دينار .
إذن فلا بد من مراعاة نصاب المسروق وأن يكون ربع دينار فصاعداً وهذا غير موجود في كتاب الله تعالى.
ثانياً : لابد أن يكون المسروق حرزاً – يعني محفوظاً في مكان – لما صح عن النبي ? عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله ? أنه سُئِلَ عن الثمر المعلق فقال : « من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذٍ خُبْنَةً فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثْلِيَّةٍ والعقوبة ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع »(2).
والمعنى : إذا أخذ أي رجل صاحب حاجة – جوع – ثمراً أو غيره من بستان ليسد حاجته الضرورية حتى لا يموت فلا شيء عليه فإذا أخذ منه شيئاً بعد أن أكل وسد جوعه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، فإن أخذه من الجرين وهو الجوخان – مكان حفظ الثمر – وبلغت قيمته ربع دينار تقطع يده.
فإن أخذ ثمراً أو نحوه ليسد حاجته الضرورية فلا يكون سارقاً ولا شيء عليه حتى لو كان صاحب الثمر كارهاً لذلك ، بشرط أن لا يبغي – يعني لا يأخذ شيئاً بعد سد رمقه لما صح عن النبي ? : « أن عبداً سرق وَدِيَّاً(3) من حائط رجل فغرسه في حائط سيده فخرج صاحب الوَدِيِّ يلتمس وَدِيَّه فوجده ، فاستعدى على العبد مروان بن الحكم وهو أمير المدينة يومئذٍ فسجن مروانُ العبدَ ، وأراد قطع يده ، فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج فسأله عن ذلك ، فأخبره أنه سمع رسول الله ? يقول : « لا قطع في ثمرٍ ولا كثر » (4) فقال الرجل : إن مروان أخذ غلامي وهو يريد قطع يده وأنا أحب أن تمشي معي إليه لتخبره بالذي سمعت من رسول الله ? ، فمشى معه رافع بن خديج حتى أتى مروان بن الحكم ، فقال له رافع : سمعت رسول الله ? يقول : « لا قطع في ثمرٍ ولا كثر » فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ .(5) قال أبو داود : ( الكثر : الجمار ) . فقطع اليد مربوط بأن يكون المسروق محرزاً وهذا ليس في القرآن ، ومما يؤيد مسألة الحرز حديث صفوان بن أمية ? قال : كنت نائماً في المسجد على خميصة ليَ ثمن ثلاثين درهماً فجاء رجل فاختلسها مني ، وفي رواية : فاستله من تحت رأسه ، فاستيقظ فصاح به فأخذ الرجل فأُتيَ به رسول الله ? ، فأمر به ليقطع قال صفوان : فأتيته فقلت : أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً أنا أبيعه وأنسأه ثمنها قال ? : « فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به » وقطعت يده.(6)
? ثالثاً : أن لا يكون للسارق شبهة حق في المسروق : كأن يكون شريكاً معه في تجارة وادّعى أنه جار عليه ، أو أي شبهة أخرى ، فلا يقام عليه الحد لقول ابن مسعود ? : ( ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم )(1) إذا قامت شبهة ، فلا تقم الحد لأن دم المسلم معصوم بيقين والشبهة عارضة ، فيقدم اليقين على الشبهة ، فحفظ دمه وعضوه آكد وأيقن من الشبهة الواردة .
ولذلك قال عمر ? : ( لأن أعطل الحدود بالشبهات أحبُّ إليَّ من أقيمها في الشبهات )(2).
قال ابن المنذر : ( أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات )(3) ، لحديث : «ادرؤوا الحدود بالشبهات » (4).
فهذه ثلاثة شروط(5) لابد أن تتوفر في الشخص حتى يسمى سارقاً : قيمة المسروق أي بلوغه نصاب القطع ( ربع دينار ) ، الحرز ، وأن لا يكون للسارق شبهة حق في المسروق .
هل في القرآن الكريم كل هذا ؟! ليس فيه منه شيءٌ ، إنما حكمنا بهذا من السنة المباركة .
بعد أن حققنا أنه سارق يريد الحاكم أن يقطع يده فمن أين نقطعها ؟ وليس بيان ذلك في القرآن ؟
فجاءت السنة المباركة فبينت أن القطع من الرسغ وهو مفصل الكف .
قال في ( المغني ) : ( وابتداء قطع السارق أن تقطع يده اليمنى من مفصل الكف ويحسم (6) فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت )(7).
وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قالا : ( إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من مفصل الكوع )(8).
وفي ( كتاب الحدود ) لأبي الشيخ من طريق نافع عن ابن عمر ? : ( أن النبي ? ، وأبا بكر ، وعمر وعثمان كانوا يقطعون من المفصل ).
قال العلامة الألباني : وله شواهد :
منها عن عبد الله بن عمرو قال : ( قطع النبي ? سارقاً من المفصل )(9) ومنها عن رجاء بن حيوة عن عدي أن النبي ? قطع رجلاً من المفصل والعمل منذ عهد النبوة على هذا .

دمغ شبهة :
بعد العلم بهذا البحث السابق الخاص بحد السرقة لك أيها المسلم أن تصحِّح هذه الجزئية إن كانت عندك غير صحيحة وهي :
القول الساقط المتهافت الذي لا يحتاج إلى أدلة لتسقطه ، فهو ساقط بنفسه وهو : القول المشهور : ( أن عمر بن الخطاب ? أسقط وأوقف حَدَّ السرقة في عام الرمادة فأوقف النص للمصلحة )
الهالك الجاهل الذي قال هذا الهراء الذي يهرف بما لا يعرف كان يقول : نحن يجوز لنا ولنا الحق في أن نأكل الربا إذا كانت الدولة تحتاج إلى ذلك ، لأن هذه مصلحة ، وكما أن عمر ? ترك الحد الذي في كتاب الله للمصلحة ، فلنا أن نأكل الربا للمصلحة .
وهذا كقياس إبليس إذ قاس النار على الطين ، قاس النار التي هي مادة الخراب على الطين الذي هو مادة الحياة. قياس معكوس ، وكل قياس معكوس هو من قياس إبليس.
? السؤال الآن هو : " هل عمر فعلاً أوقف الحد للمصلحة ؟ "
? الجواب : لا حاشا وكلا .
? إذن ما الذي حدث ؟
? الجواب : أن عمر ? قال : ( لا قطع في عام سنة ) (1)
قال الإمام أحمد رحمه الله : (( لا قطع في المجاعة ، يعني : أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه ، لأنه مضطر وروى الجوزجاني عن عمر ? أنه قال : ( لا قطع في عام سنة ) . وقال : سألت أحمد عنه فقلت : تقول به ؟ قال : أي لعمري لا أقطعه إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة )).
وعن الأوزاعي مثل ذلك.
قال في ( المغني ) : ( وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه ، أو لا يجد ما يشتري به ، فإن له شبهة في أخذ ما يأكله ، أو ما يشتري به ما يأكله وقد روي عن عمر ? أن غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقةً للمزني فأمر عمر بقطعهم ، ثم قال لحاطب : إني أراك تجيعهم فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم ، فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشتري به ، وما يشتريه فعليه القطع ، وإن كان بالثمن الغالي . ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي )(2).
فالذي قاله عمر ? : أن الذي يأتيني في هذه المجاعة وقد أخذ شيئاً فليس هو بسارق إنه يريد أن يأكل حتى لا يموت إذن فهو مضطر ، وقد قال تعالى : { فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم } [الأنعام : 145 ] ، فليس بسارق إذن عند عمر ? ، وهو الحق ، ولو ثبت أنه مستغنٍ فسرق لقطع عمر ? يده.
ثم : ليس من سلطان عمر ? ولا من سلطان أحد على الإطلاق أن يُوقِفَ حداً أجراه الله تعالى في كتابه ، فإن النبي ? قال لِحِبِّهِ وابن حِبِّهِ أسامة بن زيد رضي الله عنهما : « أتشفع في حدٍّ من حدودِ الله يا أسامة .. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » (1) ، أفيحل لعمر أو غيره بعد هذا القسم المغلَّظ أن يوقف حدّاً حدَّه الله ? في كتابه ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم .
فالحد إذا رُفِعَ للحاكم صار حقاً لله وليس من حق أحد .

رد على بعض العلمانيين :
إن بعض العلمانيين اللادينيين ينكرون حديث النبي ? : « تقطع اليد في ربع دينار » فيقولون : يَدٌ تمثل حياة الإنسان نقطعها في ربع دينار ؟!
هؤلاء الذين سماهم الأديبُ كامل كيلاني رحمه الله يوماً بـ : « المجددينات » فقال له سامعه : ما هذا الجمع الجديد لا هو جمع مذكر سالم « مجددون » ولا جمع مؤنث سالم « مجددات » فقال له الأديب قولاً أروع من التسمية نفسها فقال رحمة الله عليه : هذا جمع « مخنث سالم » فأقسم له سامعه أن اللغة العربية في أشد الحاجة إلى هذا الجمع خصوصاً في هذه الأيام .
هؤلاء الذين تربوا على موائد الغرب فأكلوا من أوساخ فكرهم وشربوا من عفن معتقدهم ، فلما أرادوا أن يتغوطوا جاءوا إلى بلادنا لذلك لا نشم منهم إلاَّ العفن وليس لهؤلاء المجددينات سلف في ذلك إلاّ ذلك العمي أعمى البصر أعمى البصيرة أبو العلاء المعري الذي صدق فيه قول الشاعر :
تعس العميُّ أبو العلاء فإنه ** قد صار مجموعاً له العميان
وصدق فيه قول نفسه لا رحمه الله :
دُعيتُ أبا العلاء وذاك مَيْنٌ ** ولكن الصحيح أبا النزول(2)
وما صدق إلا في هذا البيت.
هذا العميُّ اعترض على هذا الحديث قبل ذلك لما رحل إلى العراق ببيتين من الشعر ، وطلبه الفقهاء ليقتلوه ففر هارباً والبيتان هما :
تناقض ما لنا إلاّ الســكوت له ** وأن نعوذ بمـولانا من النار
يد بخمس مىءٍ(1) من عسجد وُدِيَتْ ** ما بالها قُطِعَتْ في ربع دينار
اعتراض هذا مُحَصِّلتهُ : ( لما كانت دية اليد الواحدة على النصف من دية الرجل لأن كما هو معروف أن العضو الذي لا يوجد في الجسم إلا مرة واحدة ففيه دية كاملة كاللسان والأنف ، أما العضو الذي يوجد مرتين كاليدين والأذنين والرجلين والعينين ففي قطعه ظلماً نصف دية ، ودية الرجل ألف دينار من ذهب فتكون دية اليد خمسمائة دينار من ذهب ، فَيَدٌ بهذه القيمة تقطعها في ربع دينار ؟!) كلام ظاهره الرحمة وباطنه من قِبَلِهِ العذاب . وقد تنطلي هذه الشبهة على ضعفاء العقول .
لكن رد عليه القاضي عبد الوهاب من المالكية ردَّاً قصيراً رائعاً جداً فقال له : ( لما كانت أمينة كانت ثمينة ، فلما خانت هانت. ثم قال له :
صيانة العضو أغلاها وأرخصها ** صيانة المال فافهم حكمة الباري(2)
وهذا مقتضى حفظ حقوق العباد لقوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } [ البقرة :179 ] ، ولقول العرب المشهور : ( القتل أنفى للقتل ) فلو علم السارق أنه لو سرق سَتُقْطَعُ يده أو قَتَل سيُقتل فلن يفعل ذلك .
فهذه كلمة اعتراضية في الرد على هؤلاء المضللين ، ولا ينكر القطع إلاّ من لا حظ له في الإسلام.

القسم الثالث
أن تأتي السنة بشيءٍ زائد على ما في القرآن


الذي عليه أهل العلم أن الزيادة من السنة على ما في القرآن مقبولة لا شك فيها كما قال الإمام الشوكاني رحمه الله :
( اعلم أنه قد اتفق من يُعْتَدُّ به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام ، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقد ثبت عنه ? أنه قال : « ألا وإني أوتيتُ القرآن ومثله معه » (1) أي أوتيت القرآن وأوتيتُ مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن . وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية وتحريم كل ذي ناب من السباع ومُخْلَبٍ من الطير ، وغير ذلك مما لم يأت عليه الحصر ، وأما ما يُرْوى من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن فقال يحي بن معين : إنه موضوع وضعته الزنادقة ، وقال الشافعي رحمه الله : (ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيءٍ صغير ولا كبير ).
وقال ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم ) : ( قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث : " ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ، وإن خالف فلم أقله " . وقد عارض حديث العرضِ قومٌ فقالوا : وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فخالفه لأنا وجدنا في كتاب الله : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر :7 ] ، ووجدنا فيه : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] ، ووجدنا فيه : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [ النساء : 80 ] . انتهى(2).
فالزيادة إذن من السنة على ما في القرآن ثابتة ومقبولة والتسليم بها من ضروريات الإيمان . وهذا مما انفردت به السنة في الزيادة على القرآن مثل :
1- قال تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير } الآية [ الأنعام : 145 ]. فهذه المحرمات من المطعومات في الآية ، فمقتضى ظاهر القرآن إباحة ما عداها ، فجاءت السنة فحرمت غيرها كما في حديث أنس ? قال : لما كان يوم خيبر أمر رسول الله ? أبا طلحة فنادى : ( إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس ) (3) فنهى عنها رسول الله ? وليس في القرآن نص بتحريمها .
2- ومن ذلك نهيه ? عن : ( أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل كل ذي مُخْلَب من الطير )(1).
3- ومنه : نهيه ? : ( نهى أن يبال في الماء الراكد )(2).
4- ونهيه ? عن التزعفر للرجل (3).
5- ونهى ? أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده اليسرى ، وقال : « إنها صلاة اليهود»(4).
هذا وأحاديث أخرى كثيرة سواء في النهي أو الإباحة لا تتسع هذه العجالة لذكرها نتعبَّدُ لله بها وليس في القرآن ذكر لشيء منها . فهي زائدة قطعاً على ما في القرآن .

• قال الإمام الأوزاعي رحمه الله : ( الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب ).
• قال أبو عمر ابن عبد البر : ( أنها – أي السنة – تقضي عليه – أي القرآن – وتبين المراد منه ).
• قال يحي بن أبي كثير : ( السنة قاضية على الكتاب ).
• قال الشوكاني رحمه الله : ( والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة ، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلاّ من لا حَظَّ له في دين الإسلام )(5).
__________________
إعداد / أختكم نسائم الإيمان
المرجــع
منزلة السنة في التشريع / إبراهيم بن فتحي عبد المقتدر

  ملفات الشبكة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 

________________________________________زورونــا هنــا : ________________

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر© الشبكة النسائية العالمية www.fin3go.com-All rights reserved © 2003-2005

ترتيب  و احصائيات الشبكة النسائية العالمية  في رتب