السيرة النبوية

خصائص التشريع في الكتاب والسنة


  1/ المعروف والمنكر :
       تهدف الشريعة الإسلامية إلى تأسيس الحياة الإنسانية على المعروف وتجنبها للمنكر وتقوم دعوتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
والمعروف هو الخير الذي يوافق فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وعرف في الشرع حسنه
والمنكر هو الذي ينافي هذه الفطرة وعرف في الشرع قبحه
ولا تكتفي الشريعة الإسلامية ببيان المعروف وتعداد أنواعه ولكنها ترسم للإنسانية منهاج الحياة المتكامل على وجه ينمي فيها المكارم والفضائل ويبعث فيها روح الخير ويساعدها على النماء والرقي ويحبب إليها فعل المعروف بكافة صورة.
كما لا تكتفي بالنهي عن المنكر وبيان الرذائل وإنما توضح مضارها وتحذر من اقترافها حتى يصير المجتمع المسلم مجتمعا فاضلا نظيفا.
والمعروف درجات فمنه الواجب الذي ورد بصيغة ملزمة تفرض القيام به لأهميته في صلاح الفرد وصلاح المجتمع ومنه المندوب الذي ترغب الشريعة فيه لاستكمال الخير وتنميته
ومنه المباح الذي لا يتعلق بتركه محظور ولا يترتب على فعله أثر ظاهر في التقوى ولا يقتصر هذا على ما أذن الشرع فيه بل يتناول ما لا يخالف أمرا من أمور الشريعة فدائرته أعم وأوسع .
وكذلك الشأن في المنكر ليس على درجة واحدة .
فمنه المحرم الذي يجب اجتنابه وورد النهي عنه لما يترتب عليه من شر يفسد الحياة الفردية والحياة الجماعية.
ومنه المكروه الذي يكون دون ذلك فما يخل بواجب الصلاح ويحول دون وصول الناس إلى مراتب الرقي في التقرب إلى الله والدرجات العلا في الحياة الآخرة.
وهذه الأنواع هي المعروفة في الاصطلاح بأقسام الحكم التكليفي ولها أدلتها من الكتاب والسنة.

 2 / الشمول :
     فرسالة الإسلام تتميز بالشمول في الزمان والخطاب والموضوع :
الشمول في الزمان : ذلك أن رسالة الإسلام رسالة كل الأجيال منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة وهذا نابع من كونها خاتمة الرسالات.
حفظت فبقيـت: وضمانة شمولها للزمان هي بقاؤها وحفظها فقد تكفل الله بحفظها بقوله : (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) خلافا لنصوص الرسالات السابقة عليها حيث إستحفظ عليها أهلها فضاعت لما انحرفوا قال الله تعالى : (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم به النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء )) وأدني مقارنة بين نصوص هذه الرسالة والنصوص التي سبقتها تدل دلالة قاطعة على ذلك خذ أي مصحف من أية بقعة من الأرض شئت ومن أي تاريخ وأي طبعة وقارنه بغيره نجد الاتفاق التام ثم قارن ذلك بكثرة الأناجيل وتضاربها إلى درجة التناقض .
شمول الخطاب : فهي رسالة كل الشعوب والأمم مخاطب بها الإنسان من حيث هو : (( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا )) (( إن هو إلا ذكر للعالمين ))
الشمول في الموضوع : فموضوع هذه الرسالة هو حياة الإنسان بكل جوانبها روحا وعقلا ومادة فقد تضمنت التشريعات ما يضمن سلامة البدن ونشاطه وصحته وحفظه من الأمراض .
إصلاح الفرد والجماعة : وكما اهتمت شريعة الإسلام بحياة الفرد في كل جوانبها، اهتمت كذلك بالجماعة ، فشرعت من النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما يكفل ببناء مجتمع راق متحضر يعبد الله ويبني الحياة فرعت شأن الأسرة
وحفظت حقوق كل أطرافها بما يحقق انسجامها واستمرار رابطتها،واهتمت بتوثيق الروابط الاجتماعية: فحثت على صلة الأرحام وبر الوالدين والتآخي والتكافل الاجتماعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر ) وأقامت حيا ة المجتمع السياسية على العدل والشورى وحفظ المصالح العامة، وتوثيق الصلة بين الحاكم والمحكوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسئولة التضامنية لكل المسلمين عن قضايا مجتمعهم حفظا لكيانه وتحقيقا لمصالحه ودرءً للمفاسد والأخطار عنه .
وشرع نظاما اقتصاديا قائما على منع الظلم وتكافؤ الفرص وحماية الضعفاء، صغاراً ويتامى وفقراء ومساكين و أبناء سبيل (غرباء ) وحماية الملكية الفردية، ورعاية حقوق الأغنياء ، وهكذا في كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية جاء بما يكفل العدل ويحقق المصالح وبحفظ النظام ويصون الحقوق ويحدد الوجبات.
من المهد إلى اللحد كذلك اهتمت شريعة الإسلام بكل أطوار حياة الإنسان ومراحلها فنجد فيها من التشريعات ما يصون حياة الجنين ويهيئ الجو المناسب لأمه : (( وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)) ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق )) ثم نتابع الاهتمام به بعد مولده وفي صغره بتشريعات كالعقيقة عنه واختيار اسم حسن له وإرضاعه إيجابا لينشأ تام البنية قوي الشخصية .

3/ نصوص الشريعة وكفايتها بحاجة البشرية :
        ونصوص الشريعة في الكتاب والسنة منها القطعي ومنها المحتمل :
أ / أما القطعي : فهو الأحكام الصريحة القطعية الواردة في القرآن والسنة الصحيحة ، وهذه الأحكام بينت أصول الحلال والحرام وتناولت القواعد العامة التي تبنى عليها الحياة الإنسانية في الإسلام ، وهي تقرر الأمور الثابته في الشريعة التي لا يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان .
ب/ والمحتمل : فهو عامة ماورد في الكتاب والسنة : أمرا ونهيا وإرشادا ، مما يحتمل معناه أكثر من وجه.
وهذا الجانب في الشريعة الإسلامية هو مجال الاجتهاد الذي تتفاوت فيه الأفهام ، وكان التربة الخصبة للأئمة المجتهدين.
وإذا أضفنا إليه القواعد والمبادئ العامة في الشريعة الإسلامية ، أدركنا مدى نمو هذه الشريعة وتلبيتها لحاجة المجتمع وتطوارته وحلها لمشكلاته ومعضلاته وصلاحها لقيام مدينة فاضلة مؤمنة بكل عصر ومصر .

" فالفقه الإسلامي يقوم على قواعد أساسية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مستمدة من مصادره الأولى وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والقرآن والسنة نصوصها محفوظة ومدونة بدقة وعناية فائقة ونصوصها في الغالب تتضمن الأحكام العامة للتشريع دون بيان التفاصيل المتعلقة بتطبيق تلك الأحكام وذلك لترك سلطة تقديرية واسعة للمجتهد مراعاة لاختلاف الظروف والأحوال فالنصوص الشرعية مثلا فيما يتعلق بنظام الحكم وضعت خطوطا عريضة لهذا النظام تتضمن الأمر بالعدل بين الرعية وطاعة أولي الأمر وتحقيق الشورى بين المسلمين والتعاون على البر والتقوى وغير ذلك .
لكنها تركت تطبيق هذه الخطوط العريضة لواقع يتسم بشيء من المرونة والسعة حيث إن المهم هو تحقيق هذه الغايات بغض النظر عن الوسائل التي تمت بها والأشكال التي قامت فيها طالما أنها لا تخالف نصا شرعيا أو مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية . ولهذا فإن تطبيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية يخضع لدرجة كبيرة من المرونة والقابلية للتطور . كذلك فلا مانع من حدوث أحكام جديدة لم تكن معروفة من قبل نظرا لحدوث الوقائع المناطة بها ، كما أنه لا يمنع تغير أحكام كانت ثابتة من قبل نظرا لتغير مقتضياتها وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بتغير الأحكام تبعا لتغير الزمان والمكان .ولأجل ذلك فقد ترك الإسلام باب الاجتهاد مفتوحا في الشريعة ليقيس المجتهد ما لم يرد به نص على المنصوص ويلحق الأشباه بالنظائر .
أضف إلى ذلك أن من مصادر الشريعة الإسلامية الهامة العرف والمصلحة وهذان المصدران كافيان لتلاؤم الأحكام مع البيئة الصادرة فيها .إن هذا الثبات في المصادر والمرونة في التطبيق يعطي للفقه الإسلامي ميزة خاصة دون غيره من التشريعات المعاصرة ذلك أن هذه التشريعات وإن كانت تحاول مسايرة العصر بالتغيير المستمر والتجديد الدائم ، فإنها تفتقر في الغالب إلى معايير وأسس وقواعد ثابتة حتى لا يفضي بها التغير إلى أن تتلاشى معالمها الأصلية ودعائمها الأساسية.بل إن كثيرا من التشريعات تتغير أصولها وقواعدها وكثيراً ما يعتريها التغيير والتبديل وبذلك تكون عرضة للتلاعب من قبل الواضع لتلك التشريعات . "

4 / الواقعية :
     والواقعية الإسلامية تعني مراعاة الواقع الكوني من حيث هو حقيقة مشاهدة ، ووجود معان دالة على الخالق، كما تعني أيضا مراعاة واقع الحياة من حيث هي مرحلة حافلة بالخير والشر معا ومن حيث هي ممهدة لحياة أخرى هي دار القرار كما تعني مراعاة واقع الإنسان من حيث دوافعه .وطاقاته واستعداده ومن حيث الظروف الكونية والحياتية المحيطة به .
نماذج للواقعية الإسلامية :
في الاعتقاد : وذلك أن القضايا التي يدعو الإسلام إلى اعتقادها يدركها العقل ويقوم عليها بالبرهان وتشبع معا حاجات العقل والوجدان .
في العبادة : وتتجلى الواقعية في العبادات الإسلامية من حيث مراعاتها لظروف الإنسان وطاقاته ومشاغله، قال تعالى : (( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة )) كما روعيت فيها الطبيعة النفسية للإنسان وما يعتريه به من ملل فوزعت على الزمن فكان بعضها سنوي وبعضها مرة في العمر وبعضها شرع عدة مرات في اليوم كما كان بعضها بدني وبعضها مالي والبعض الآخر يجمع بين الأمرين .كما روعيت فيها ظروف المرض والسفر فشرع قصر الصلاة وفطر رمضان فيه .
في التحليل والتحريم : ومن مظاهر الواقعية في التحليل والتحريم أن الشريعة لم تحرم إلا ما فيه ضرر على الإنسان، وأحلت ما فيه له منفعة قال تعالى : (( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)) كما قدرت الضرورات التي تعرض على الإنسان فرخصت له تناول المحرمات إذا أضطر إليها : (( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه))
في العلاقات الأسرية : ومن مظاهر الواقعية في العلاقات الأسرية إباحة الطلاق إذا لم تفلح كل وسائل الإصلاح في تدارك هذه العلاقة مع ذم الطلاق وإقامة هذه العلاقة على أساس الدوام والتأبيد .
التدرج في تشريع الأحكام: ومن ملامح الواقعية في شريعة الإسلام التدرج في التشريع، فقد قررت في كثير من الأحكام وخاصة في المحرمات كالخمر والربا وذلك تهيئة للنفوس وضمانا للاستجابة لأحكامها .

ــــــــــــــــــــ
إعداد أختكم / الفارسة
المرجــع :
1) كتاب تاريخ التشريع الإسلامي
مكتبة المعارف للنشر والتوزيع
ص 132-133

  ملفات الشبكة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 

________________________________________زورونــا هنــا : ________________

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر© الشبكة النسائية العالمية www.fin3go.com-All rights reserved © 2003-2005

ترتيب  و احصائيات الشبكة النسائية العالمية  في رتب