مســـك الرسالة
11-21-2004, 07:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم .
قاطع دوت كوم - سبتمبر 2004
بقلم : حسين عبد ربه
اتفاقية جديدة وقعتها مصر مع الولايات المتحدة تحت مسمى المناطق الصناعية المؤهلة، والهدف هو إدخال مصر إلى نادي التطبيع الرسمي والمباشر مع العدو الصهيوني من خلال الاتفاق على إدخال المكون الإسرائيلي في المنتج المصري بنسبة قد تصل إلى 17 % كشرط لدخول البضائع المصرية إلى الولايات المتحدة وفقا لهذه الاتفاقية.
الصحف الحكومية نشرت نبأ التوقيع على الاتفاقية خلسة إلا أنها تعمدت التعمية على الكثير من المعلومات حول هذه الاتفاقية ومخاطرها على الصناعة الوطنية المصرية ودعمها للاقتصاد الإسرائيلي في الفترة القادمة.
التطبيع بالذوق
--------------
منذ سنوات بدأت محاولات فرض التطبيع بالذوق وبالطرق العادية، خاصة بعد أن وقعنا رسميا وتعهدنا ورقصنا وغنينا للسلام وأطلقنا اسم السلام على نصف ما نملكه من مقاهي وبقالات وجوامع.. ولم ينفع الذوق معنا.. لا المؤتمرات الاقتصادية المشبوهة في القاهرة وعمان والدوحة ولا الوكلاء الوطنيون للشركات الإسرائيلية صراحة والإسرائيلية ضمنا.
في منتصف التسعينيات طرحت إسرائيل من خلال مؤتمرات القمة الاقتصادية التي عقدت بالقاهرة وعمان والدوحة.. افكارا للترويج للشرق أوسطية ودمج إسرائيل في المنطقة من خلال التعاون الاقتصادي الاقليمي.. وفشلت هذه المساعي بسبب رفض الشعوب العربية التطبيع مع إسرائيل وربط الأمر بتحقيق تسوية سلمية مع الفلسطينيين وانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة.. وظلت مصر تؤكد هذا وفشلت كل محاولات التطبيع من الباطن بين اسرائيل وبعض الدول العربية. وتوقفت أية مفاوضات بشأن تعاون اقتصادي اقليمي وتراجع بعض رجال الأعمال العرب عن استكمال مفاوضاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين وذلك لأن الأمور تعقدت وعادت إسرائيل ومازالت سياستها تضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية والقانون الدولي وتواصل احتلالها للأراضي العربية. بل وتدمر وتقصف وتقتل ابناء فلسطين ولبنان وسوريا في نفس الوقت سعت لفرض سيناريو التطبيع على الدول العربية ولتكن البداية بالتطبيع الاقتصادي بمسميات جديدة وفي اطار العولمة والنظام التجاري العالمي وغيرها من الأطر الجديدة للهيمنة الأمريكية.
فقد آلت أمريكا على نفسها وحملت ملف فرض التطبيع مع إسرائيل على دول المنطقة حيث اشترطت أن نطبع من خلال اتفاق تجاري نادر ومفصل على دول منطقة الشرق الأوسط فقط ولا مثيل له في أي اتفاق تجاري بين أمريكا ودول أوربا أو حتى مع دول شرق أوربا أو جنوب شرق آسيا.. حيث تشترط الولايات المتحدة على دول المنطقة التي تريد أن تدخل منتجاتها السوق الأمريكي أن يكون هذا المنتج قد تم انتاجه بمكون إسرائيلي حتى ولو كان بنسبة صغيرة 8 % أو 11 % ، المهم ان هذه النسبة الصغيرة من المكون الإسرائيلي ستدخل في أي منتج عربي كشرط لدخول السوق الأمريكي.
والمكون الإسرائيلي يعني وجود اتصالات وزيارات وتعاون مشترك بين اصحاب المصانع في الدول العربية ونظرائهم في إسرائيل وبذلك يتحقق الغرض الإسرائيلي والأمريكي في ضمان الهيمنة والسيطرة على المنطقة من خلال التحكم في اقتصادياتها.. هذا الاتفاق التجاري يسمى ب"اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة" 'الكويز' وبداية هذا الاتفاق كان بين أمريكا وإسرائيل ثم رأت الولايات المتحدة تطويره بما يخدم عملية السلام بانضمام بعض دول المنطقة لهذه الاتفاقية.
فهي اتفاقية يصفها عادل العزبي نائب رئيس الشعبة العامة للمستثمرين بأنها اداة تهدف لتشجيع السلام وتنشيط الاقتصاد والتعاون الاقليمي في المنطقة (!!)
بواسطة انشاء المناطق الصناعية المؤهلة والتي تتمتع منتجاتها بشروط معينة باعفاء جمركي واعفاء من القيود الكمية عند دخولها إلى اسواق الولايات المتحدة.
ويضيف عادل العزبي: ان اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة التي تم توقيعها بين الأردن وإسرائيل برعاية أمريكية هي اتفاقية غير مسبوقة وتعتبر الأولي من نوعها على مستوى العالم. ويشير إلى الفرق بين الكويز وبين اتفاق التجارة الحرة هو اتفاق المناطق الواردة باتفاقية المنطقة الحرة فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
ويشترط للاستفادة منها والحصول على الاعفاء الجمركي أن يكون المنتج قد انتج في المنطقة الصناعية المؤهلة وفقا لقواعد المنشأ المعمول بها لدى جمارك الولايات المتحدة لكل منتج.. ولابد ان تمر مراحل انتاج المنتج وتكوينه في المناطق الصناعية المؤهلة ونسبة مكون من إسرائيل لا تقل عن 8 % ونسبة أخرى تدخل في الصناعة المؤهلة تمنح السلعة المصدرة منها اعفاءات ولكنها لا تمنح السلعة الأمريكية الواردة أية اعفاءات.. بمعنى أن الالتزامات غير متكافئة بعكس اتفاق التجارة الحرة فانه يمنح مزايا واعفاءات ويرتب التزامات متكافئة.. أما الفرق الأساسي الثاني فيكمن في أن الاعفاءات من الرسوم الجمركية يبدأ من اليوم الأول لتنفيذ الاتفاقية بنسبة صفر في المائة بينما في اتفاقية التجارة الحرة تندرج الاعفاءات بنسب متفق عليها لمدة عشر سنوات.
وبقراءة هذه الاتفاقية النادر وجودها على مستوى العالم يتضح ان أمريكا تغازل بها دول المنطقة.. تفرط في منح مزايا واعفاءات جمركية للدول التي تنضم لهذه الاتفاقية وتقبل التعاون مع إسرائيل بل وتلتزم ان تتضمن منتجاتها مكونا إسرائيليا... أليس هذا هو التطبيع بعينه وهذا هو التعاون الاقليمي الذي تريده أمريكا وإسرائيل؟ فهذه الاتفاقية التي بموجبها تستطيع تصدير منتجاتها بدون جمارك للسوق الأمريكي تعد ميزة اقتصادية كبيرة.. وكانت الأردن أولى الدول العربية التي انضمت لهذا الاتفاق عام ..2001 وانضمام الأردن له مغزى كبير ويعني الكثير لأمريكا وإسرائيل والاتفاق يتضمن تفاوض الحكومة الإسرائيلية مع حكومة الطرف الذي ينضم للاتفاقية على نسبة المكون الإسرائيلي في المنتج الذي يصدر للسوق الأمريكي.
ولكن هذا الاتفاق لن يقف عند هذا الحد..فلكي يتحقق الغرض من وجوده * وهو التطبيع * لابد ان تنضم مصر لهذه الاتفاقية.. ومن هنا توصل ذهن الصهاينة إلى اقناع حلفائهم الأمريكان برفض المطالب المصرية بابرام اتفاق اقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وامريكا.. وبالفعل فإن مفاوضات اقامة هذه المنطقة ظلت مفتوحة لسنوات طويلة ويتكرر الحديث عنها مع كل زيارة للرئيس مبارك للولايات المتحدة ولكن كانت الادارة الأمريكية تؤجل اقامة هذه المنطقة من خلال مبررات ظاهرية تتمثل في ضرورة قيام الحكومة المصرية باتخاذ العديد من الخطوات الاصلاحية اقتصاديا وسياسيا.. أما المبرر غير المعلن فكان اقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل وان تتوقف مصر عن دعمها للقضية الفلسطينية.
وازاء هذا المطلب الذي رفضته الحكومة المصرية.. رفضت امريكا اقامة منطقة تجارة حرة مع مصر وبدأت في الترويج لضرورة انضمام مصر للكويز حيث وضعت العراقيل أمام الصادرات المصرية للسوق الأمريكي.. ودفعت باللوبي الأمريكي في مصر من رجال الأعمال المتأمركين للدعوة للانضمام لاتفاق الكويز وأهميته لزيادة الصادرات المصرية لأمريكا واستشهدوا بالنتائج التي حققها الاردن بزيادة صادراته للولايات المتحدة إلى 500 مليون دولار بعد انضمامه للكويز.. ودارت هذه الأفكار وطرحت في اجتماعات منتجي ومصدري المنسوجات وجمعية المصدرين المصريين والغرفة التجارية الأمريكية.. والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي. وتحرك بعض رجال الأعمال خاصة من مصدري الملابس والمنسوجات للسوق الأمريكي في زيارات سرية لإسرائيل والأردن منذ عدة أشهر لزيارة بعض المناطق الصناعية المؤهلة والداخلة في اتفاق الكويز.. وتحرك هذا اللوبي بفاعلية من خلال الجانب المصري في المجلس الرئاسي المصري الأمريكي الذي عقد اجتماعا منذ اسابيع قليلة لمتابعة التفاوض حول انضمان مصر لاتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة على ضوء نتائج المفاوضات التي تمت بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية وتجري المفاوضات من خلال وزارة التجارة الخارجية التي تدعم وتؤيد الانضمام لهذه الاتفاقية باعتبار انه لا بديل أمام الصادرات المصرية سوى هذه الاتفاقية لدخول السوق الأمريكي وفي منتدى دافوس الذي عقد بالأردن مؤخرا دارت مفاوضات جادة بشأن انضمام مصر للكويز.. وبالفعل قاربت هذه المفاوضات على الانتهاء وإن كان البعض قد سرب معلومات بأن مصر قد وقعت على اتفاق الكويز إلا أن مصادر حكومية مصرية وأمريكية نفت انضمام مصر للكويز بينما أكدت أن المفاوضات في تقدم ملحوظ بعد أن اتفق الجانب المصري والإسرائيلي على ان تتراوح نسبة المكون الإسرائيلي في المنتج المصري ما بين 11 إلى 17 % . وبينما تجري المفاوضات في اتفاقية تجارية، فالغريب ان يكون اتحاد الصناعات المصري بعيدا عن هذه المفاوضات.. أو كما يقول الدكتور عبد المنعم سعودي رئيس الاتحاد: اننا لا نعلم شيئا عن انضمام مصر لهذه الاتفاقية ولا عن أية مفاوضات بشأنها.
وبلغة المصلحة فإن هناك كثيرا من رجال الأعمال يبررون الانضمام لهذه الاتفاقية بحجة زيادة الصادرات المصرية وتوفير فرص عمل جديدة للمصريين.. والمتحفظون يرون أنها ليست اتفاقية تجارية بل اتفاق سياسي مغلف بصيغة اقتصادية وبمعني آخر فإن من يطع الأوامر الأمريكية ويدخل تحت عباءة الأمريكان ويتعاون مع إسرائيل سيحصل على جائزة الدخول بمنتجاته للسوق الأمريكي بدون جمارك.. وعلى هذا المنهج قال خالد أبو إسماعيل لجريدة الوفد: انه ليس هناك ما يمنع من انضمام مصر لهذه الاتفاقية.. فمصر وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل ويجب ان نبعد التجارة عن السياسة!!
ومثل غيره من رجال الأعمال ينظر أبو إسماعيل للاتفاقية من ناحية المصلحة الاقتصادية فقط.. دون أن يدرك أن أمريكا وإسرائيل تستغلان الاقتصاد للضغط علينا.
ولكن ما قاله السفير جمال بيومي أمين عام اتحاد المستثمرين العرب في ذات الصحيفة يأتي عكس ما قاله أبو إسماعيل... حيث قال: إنه لا يمكن ان ندرس مثل هذا الموضوع بمعزل عن السياسة.. ولو كان هذا الموضوع 'اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة' متعلقا بالعملية السلمية ومرتبطا بها فإننا نوافق عليها باعتبار ان السلام له ثمن.. لكن ليس علينا أن ندفع الثمن دون مقابل.
ويضيف إن البعض يرى اننا يجب ان ننظر إلى مصلحة مصر أولا.. وأنا أرد على ذلك بأن مصلحة مصر تستوجب تحقيق السلام في فلسطين لانها تشكل بعدا امنيا لمصر..
ويري بيومي ان هناك مبالغة في الحديث عن أرباح المناطق المؤهلة مثل مضاعفة الصادرات ولكن الحقيقة غير ذلك لانه ليس من المتصور ان الجمارك التي تبلغ نسبتها 12 % هي التي تمنع صادراتنا من المنسوجات من الدخول للسوق الأمريكي كذلك لماذا لم نستغل اتفاق الشراكة مع أوربا أو اتفاقيات التجارة مع الدول العربية؟!
ويضيف إن إسرائيل طرف أساسي في الاتفاقية وان أي تعاون إقليمي تقصده أمريكا يجب أن تكون إسرائيل طرفا فيه...
وكلام السفير جمال بيومي هو ما يجيش في صدور المصريين الذين ينظرون للاتفاقية بعيدا عن المصلحة.. ينظرون اليها بحس وطني... يدركون ان الأمريكان لا يعطون جوائز بدون مقابل وأن الهدف من هذه الاتفاقية هو دمج الاقتصاد الإسرائيلي مع اقتصاديات دول المنطقة.. وإذا كان الموقف الرسمي لمصر لم يعلن تجاه هذه الاتفاقية التي تجري مفاوضاتها برعاية الدكتور يوسف بطرس غالي وزير التجارة الخارجية.. فمن الواضع ان التعتيم على هذه المفاوضات الغرض منه الانتظار إلى تحقيق تحسن في عملية السلام.. أو ان يلتزم شارون بوعوده بالانسحاب من غزة ووقف القصف المستمر للمناطق الفلسطينية والتي طالت الحدود المصرية.. فكيف سيقبل المواطن المصري التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل؟!
الثمن
------------
أيضا أليس طبيعيا أن يندهش الجميع وهم يطالعون الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن توقيع مصر والولايات المتحدة على اتفاقية بموجبها تحصل مصر على 300 مليون دولار تعويضا عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد المصري جراء الحرب التي قادتها واشنطن على العراق العام الماضي؟! خاصة انه جاء بعد مرور 14 شهرا على العدوان؟!.. ولكن شيئا فشيئا تأتي تفاصيل الخبر باللا معلن في سبب حصول مصر على هذا التعويض.. فما قاله السفير الأمريكي بالقاهرة في حفل التوقيع على الاتفاقية بأن المنحة تكافئ مصر أيضا على اصلاحات اجرتها واصلاحات أخرى وعدت بها في مجالات التجارة.
وقد جاءت تصريحات وولش بنصف الحقيقة عن الغرض من هذه المكافأة وهو ان السبب هو ما وعدت به من اصلاح في مجالات التجارة.. والمقصود ليس الالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية أو فتح اسواق مصر امام صادرات أمريكا.. ولكن الاصلاحات التجارية التي يقصدها وولش هي أنه اصبح اتفاقا مبدئيا على انضمام مصر لاتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة 'الكويز' مع كل من أمريكا والأردن وإسرائيل، فقد قطع الجانبان المصري والإسرائيلي شوطا كبيرا من المفاوضات برعاية أمريكية لانضمام مصر لهذه الاتفاقية. والمكافأة تعكس رغبة امريكا واصرارها على ضرورة انضمام مصر لهذه الاتفاقية التي تهدف إلى صنع منتج واحد بأيد ومكونات مصرية وإسرائيلية.. فما أجمله من تطبيع وما أجملها من مواقف ستتخذها مصر إزاء المجازر المنصوبة للفلسطينيين!! وما أجمله من دعم سيقدم لقضية العرب التاريخية ولصراعهم الذي يبدو أن أحدا لا يعترف بوجوده بين العرب أجمعين!!
ها هم إذن يفردون بهمة شديدة فطيرة الشرق الأوسط لتصبح أوسع وأطول.. سيسمونها الشرق الأوسع مثلا، وبعد الفرد ودخول مرحلة الفرن تساق كل دولة على حدة لتدخل بسرعة قصوى إلى النادي الأمريكي الصهيوني.
قاطع دوت كوم - سبتمبر 2004
بقلم : حسين عبد ربه
اتفاقية جديدة وقعتها مصر مع الولايات المتحدة تحت مسمى المناطق الصناعية المؤهلة، والهدف هو إدخال مصر إلى نادي التطبيع الرسمي والمباشر مع العدو الصهيوني من خلال الاتفاق على إدخال المكون الإسرائيلي في المنتج المصري بنسبة قد تصل إلى 17 % كشرط لدخول البضائع المصرية إلى الولايات المتحدة وفقا لهذه الاتفاقية.
الصحف الحكومية نشرت نبأ التوقيع على الاتفاقية خلسة إلا أنها تعمدت التعمية على الكثير من المعلومات حول هذه الاتفاقية ومخاطرها على الصناعة الوطنية المصرية ودعمها للاقتصاد الإسرائيلي في الفترة القادمة.
التطبيع بالذوق
--------------
منذ سنوات بدأت محاولات فرض التطبيع بالذوق وبالطرق العادية، خاصة بعد أن وقعنا رسميا وتعهدنا ورقصنا وغنينا للسلام وأطلقنا اسم السلام على نصف ما نملكه من مقاهي وبقالات وجوامع.. ولم ينفع الذوق معنا.. لا المؤتمرات الاقتصادية المشبوهة في القاهرة وعمان والدوحة ولا الوكلاء الوطنيون للشركات الإسرائيلية صراحة والإسرائيلية ضمنا.
في منتصف التسعينيات طرحت إسرائيل من خلال مؤتمرات القمة الاقتصادية التي عقدت بالقاهرة وعمان والدوحة.. افكارا للترويج للشرق أوسطية ودمج إسرائيل في المنطقة من خلال التعاون الاقتصادي الاقليمي.. وفشلت هذه المساعي بسبب رفض الشعوب العربية التطبيع مع إسرائيل وربط الأمر بتحقيق تسوية سلمية مع الفلسطينيين وانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة.. وظلت مصر تؤكد هذا وفشلت كل محاولات التطبيع من الباطن بين اسرائيل وبعض الدول العربية. وتوقفت أية مفاوضات بشأن تعاون اقتصادي اقليمي وتراجع بعض رجال الأعمال العرب عن استكمال مفاوضاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين وذلك لأن الأمور تعقدت وعادت إسرائيل ومازالت سياستها تضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية والقانون الدولي وتواصل احتلالها للأراضي العربية. بل وتدمر وتقصف وتقتل ابناء فلسطين ولبنان وسوريا في نفس الوقت سعت لفرض سيناريو التطبيع على الدول العربية ولتكن البداية بالتطبيع الاقتصادي بمسميات جديدة وفي اطار العولمة والنظام التجاري العالمي وغيرها من الأطر الجديدة للهيمنة الأمريكية.
فقد آلت أمريكا على نفسها وحملت ملف فرض التطبيع مع إسرائيل على دول المنطقة حيث اشترطت أن نطبع من خلال اتفاق تجاري نادر ومفصل على دول منطقة الشرق الأوسط فقط ولا مثيل له في أي اتفاق تجاري بين أمريكا ودول أوربا أو حتى مع دول شرق أوربا أو جنوب شرق آسيا.. حيث تشترط الولايات المتحدة على دول المنطقة التي تريد أن تدخل منتجاتها السوق الأمريكي أن يكون هذا المنتج قد تم انتاجه بمكون إسرائيلي حتى ولو كان بنسبة صغيرة 8 % أو 11 % ، المهم ان هذه النسبة الصغيرة من المكون الإسرائيلي ستدخل في أي منتج عربي كشرط لدخول السوق الأمريكي.
والمكون الإسرائيلي يعني وجود اتصالات وزيارات وتعاون مشترك بين اصحاب المصانع في الدول العربية ونظرائهم في إسرائيل وبذلك يتحقق الغرض الإسرائيلي والأمريكي في ضمان الهيمنة والسيطرة على المنطقة من خلال التحكم في اقتصادياتها.. هذا الاتفاق التجاري يسمى ب"اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة" 'الكويز' وبداية هذا الاتفاق كان بين أمريكا وإسرائيل ثم رأت الولايات المتحدة تطويره بما يخدم عملية السلام بانضمام بعض دول المنطقة لهذه الاتفاقية.
فهي اتفاقية يصفها عادل العزبي نائب رئيس الشعبة العامة للمستثمرين بأنها اداة تهدف لتشجيع السلام وتنشيط الاقتصاد والتعاون الاقليمي في المنطقة (!!)
بواسطة انشاء المناطق الصناعية المؤهلة والتي تتمتع منتجاتها بشروط معينة باعفاء جمركي واعفاء من القيود الكمية عند دخولها إلى اسواق الولايات المتحدة.
ويضيف عادل العزبي: ان اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة التي تم توقيعها بين الأردن وإسرائيل برعاية أمريكية هي اتفاقية غير مسبوقة وتعتبر الأولي من نوعها على مستوى العالم. ويشير إلى الفرق بين الكويز وبين اتفاق التجارة الحرة هو اتفاق المناطق الواردة باتفاقية المنطقة الحرة فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
ويشترط للاستفادة منها والحصول على الاعفاء الجمركي أن يكون المنتج قد انتج في المنطقة الصناعية المؤهلة وفقا لقواعد المنشأ المعمول بها لدى جمارك الولايات المتحدة لكل منتج.. ولابد ان تمر مراحل انتاج المنتج وتكوينه في المناطق الصناعية المؤهلة ونسبة مكون من إسرائيل لا تقل عن 8 % ونسبة أخرى تدخل في الصناعة المؤهلة تمنح السلعة المصدرة منها اعفاءات ولكنها لا تمنح السلعة الأمريكية الواردة أية اعفاءات.. بمعنى أن الالتزامات غير متكافئة بعكس اتفاق التجارة الحرة فانه يمنح مزايا واعفاءات ويرتب التزامات متكافئة.. أما الفرق الأساسي الثاني فيكمن في أن الاعفاءات من الرسوم الجمركية يبدأ من اليوم الأول لتنفيذ الاتفاقية بنسبة صفر في المائة بينما في اتفاقية التجارة الحرة تندرج الاعفاءات بنسب متفق عليها لمدة عشر سنوات.
وبقراءة هذه الاتفاقية النادر وجودها على مستوى العالم يتضح ان أمريكا تغازل بها دول المنطقة.. تفرط في منح مزايا واعفاءات جمركية للدول التي تنضم لهذه الاتفاقية وتقبل التعاون مع إسرائيل بل وتلتزم ان تتضمن منتجاتها مكونا إسرائيليا... أليس هذا هو التطبيع بعينه وهذا هو التعاون الاقليمي الذي تريده أمريكا وإسرائيل؟ فهذه الاتفاقية التي بموجبها تستطيع تصدير منتجاتها بدون جمارك للسوق الأمريكي تعد ميزة اقتصادية كبيرة.. وكانت الأردن أولى الدول العربية التي انضمت لهذا الاتفاق عام ..2001 وانضمام الأردن له مغزى كبير ويعني الكثير لأمريكا وإسرائيل والاتفاق يتضمن تفاوض الحكومة الإسرائيلية مع حكومة الطرف الذي ينضم للاتفاقية على نسبة المكون الإسرائيلي في المنتج الذي يصدر للسوق الأمريكي.
ولكن هذا الاتفاق لن يقف عند هذا الحد..فلكي يتحقق الغرض من وجوده * وهو التطبيع * لابد ان تنضم مصر لهذه الاتفاقية.. ومن هنا توصل ذهن الصهاينة إلى اقناع حلفائهم الأمريكان برفض المطالب المصرية بابرام اتفاق اقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وامريكا.. وبالفعل فإن مفاوضات اقامة هذه المنطقة ظلت مفتوحة لسنوات طويلة ويتكرر الحديث عنها مع كل زيارة للرئيس مبارك للولايات المتحدة ولكن كانت الادارة الأمريكية تؤجل اقامة هذه المنطقة من خلال مبررات ظاهرية تتمثل في ضرورة قيام الحكومة المصرية باتخاذ العديد من الخطوات الاصلاحية اقتصاديا وسياسيا.. أما المبرر غير المعلن فكان اقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل وان تتوقف مصر عن دعمها للقضية الفلسطينية.
وازاء هذا المطلب الذي رفضته الحكومة المصرية.. رفضت امريكا اقامة منطقة تجارة حرة مع مصر وبدأت في الترويج لضرورة انضمام مصر للكويز حيث وضعت العراقيل أمام الصادرات المصرية للسوق الأمريكي.. ودفعت باللوبي الأمريكي في مصر من رجال الأعمال المتأمركين للدعوة للانضمام لاتفاق الكويز وأهميته لزيادة الصادرات المصرية لأمريكا واستشهدوا بالنتائج التي حققها الاردن بزيادة صادراته للولايات المتحدة إلى 500 مليون دولار بعد انضمامه للكويز.. ودارت هذه الأفكار وطرحت في اجتماعات منتجي ومصدري المنسوجات وجمعية المصدرين المصريين والغرفة التجارية الأمريكية.. والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي. وتحرك بعض رجال الأعمال خاصة من مصدري الملابس والمنسوجات للسوق الأمريكي في زيارات سرية لإسرائيل والأردن منذ عدة أشهر لزيارة بعض المناطق الصناعية المؤهلة والداخلة في اتفاق الكويز.. وتحرك هذا اللوبي بفاعلية من خلال الجانب المصري في المجلس الرئاسي المصري الأمريكي الذي عقد اجتماعا منذ اسابيع قليلة لمتابعة التفاوض حول انضمان مصر لاتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة على ضوء نتائج المفاوضات التي تمت بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية وتجري المفاوضات من خلال وزارة التجارة الخارجية التي تدعم وتؤيد الانضمام لهذه الاتفاقية باعتبار انه لا بديل أمام الصادرات المصرية سوى هذه الاتفاقية لدخول السوق الأمريكي وفي منتدى دافوس الذي عقد بالأردن مؤخرا دارت مفاوضات جادة بشأن انضمام مصر للكويز.. وبالفعل قاربت هذه المفاوضات على الانتهاء وإن كان البعض قد سرب معلومات بأن مصر قد وقعت على اتفاق الكويز إلا أن مصادر حكومية مصرية وأمريكية نفت انضمام مصر للكويز بينما أكدت أن المفاوضات في تقدم ملحوظ بعد أن اتفق الجانب المصري والإسرائيلي على ان تتراوح نسبة المكون الإسرائيلي في المنتج المصري ما بين 11 إلى 17 % . وبينما تجري المفاوضات في اتفاقية تجارية، فالغريب ان يكون اتحاد الصناعات المصري بعيدا عن هذه المفاوضات.. أو كما يقول الدكتور عبد المنعم سعودي رئيس الاتحاد: اننا لا نعلم شيئا عن انضمام مصر لهذه الاتفاقية ولا عن أية مفاوضات بشأنها.
وبلغة المصلحة فإن هناك كثيرا من رجال الأعمال يبررون الانضمام لهذه الاتفاقية بحجة زيادة الصادرات المصرية وتوفير فرص عمل جديدة للمصريين.. والمتحفظون يرون أنها ليست اتفاقية تجارية بل اتفاق سياسي مغلف بصيغة اقتصادية وبمعني آخر فإن من يطع الأوامر الأمريكية ويدخل تحت عباءة الأمريكان ويتعاون مع إسرائيل سيحصل على جائزة الدخول بمنتجاته للسوق الأمريكي بدون جمارك.. وعلى هذا المنهج قال خالد أبو إسماعيل لجريدة الوفد: انه ليس هناك ما يمنع من انضمام مصر لهذه الاتفاقية.. فمصر وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل ويجب ان نبعد التجارة عن السياسة!!
ومثل غيره من رجال الأعمال ينظر أبو إسماعيل للاتفاقية من ناحية المصلحة الاقتصادية فقط.. دون أن يدرك أن أمريكا وإسرائيل تستغلان الاقتصاد للضغط علينا.
ولكن ما قاله السفير جمال بيومي أمين عام اتحاد المستثمرين العرب في ذات الصحيفة يأتي عكس ما قاله أبو إسماعيل... حيث قال: إنه لا يمكن ان ندرس مثل هذا الموضوع بمعزل عن السياسة.. ولو كان هذا الموضوع 'اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة' متعلقا بالعملية السلمية ومرتبطا بها فإننا نوافق عليها باعتبار ان السلام له ثمن.. لكن ليس علينا أن ندفع الثمن دون مقابل.
ويضيف إن البعض يرى اننا يجب ان ننظر إلى مصلحة مصر أولا.. وأنا أرد على ذلك بأن مصلحة مصر تستوجب تحقيق السلام في فلسطين لانها تشكل بعدا امنيا لمصر..
ويري بيومي ان هناك مبالغة في الحديث عن أرباح المناطق المؤهلة مثل مضاعفة الصادرات ولكن الحقيقة غير ذلك لانه ليس من المتصور ان الجمارك التي تبلغ نسبتها 12 % هي التي تمنع صادراتنا من المنسوجات من الدخول للسوق الأمريكي كذلك لماذا لم نستغل اتفاق الشراكة مع أوربا أو اتفاقيات التجارة مع الدول العربية؟!
ويضيف إن إسرائيل طرف أساسي في الاتفاقية وان أي تعاون إقليمي تقصده أمريكا يجب أن تكون إسرائيل طرفا فيه...
وكلام السفير جمال بيومي هو ما يجيش في صدور المصريين الذين ينظرون للاتفاقية بعيدا عن المصلحة.. ينظرون اليها بحس وطني... يدركون ان الأمريكان لا يعطون جوائز بدون مقابل وأن الهدف من هذه الاتفاقية هو دمج الاقتصاد الإسرائيلي مع اقتصاديات دول المنطقة.. وإذا كان الموقف الرسمي لمصر لم يعلن تجاه هذه الاتفاقية التي تجري مفاوضاتها برعاية الدكتور يوسف بطرس غالي وزير التجارة الخارجية.. فمن الواضع ان التعتيم على هذه المفاوضات الغرض منه الانتظار إلى تحقيق تحسن في عملية السلام.. أو ان يلتزم شارون بوعوده بالانسحاب من غزة ووقف القصف المستمر للمناطق الفلسطينية والتي طالت الحدود المصرية.. فكيف سيقبل المواطن المصري التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل؟!
الثمن
------------
أيضا أليس طبيعيا أن يندهش الجميع وهم يطالعون الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن توقيع مصر والولايات المتحدة على اتفاقية بموجبها تحصل مصر على 300 مليون دولار تعويضا عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد المصري جراء الحرب التي قادتها واشنطن على العراق العام الماضي؟! خاصة انه جاء بعد مرور 14 شهرا على العدوان؟!.. ولكن شيئا فشيئا تأتي تفاصيل الخبر باللا معلن في سبب حصول مصر على هذا التعويض.. فما قاله السفير الأمريكي بالقاهرة في حفل التوقيع على الاتفاقية بأن المنحة تكافئ مصر أيضا على اصلاحات اجرتها واصلاحات أخرى وعدت بها في مجالات التجارة.
وقد جاءت تصريحات وولش بنصف الحقيقة عن الغرض من هذه المكافأة وهو ان السبب هو ما وعدت به من اصلاح في مجالات التجارة.. والمقصود ليس الالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية أو فتح اسواق مصر امام صادرات أمريكا.. ولكن الاصلاحات التجارية التي يقصدها وولش هي أنه اصبح اتفاقا مبدئيا على انضمام مصر لاتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة 'الكويز' مع كل من أمريكا والأردن وإسرائيل، فقد قطع الجانبان المصري والإسرائيلي شوطا كبيرا من المفاوضات برعاية أمريكية لانضمام مصر لهذه الاتفاقية. والمكافأة تعكس رغبة امريكا واصرارها على ضرورة انضمام مصر لهذه الاتفاقية التي تهدف إلى صنع منتج واحد بأيد ومكونات مصرية وإسرائيلية.. فما أجمله من تطبيع وما أجملها من مواقف ستتخذها مصر إزاء المجازر المنصوبة للفلسطينيين!! وما أجمله من دعم سيقدم لقضية العرب التاريخية ولصراعهم الذي يبدو أن أحدا لا يعترف بوجوده بين العرب أجمعين!!
ها هم إذن يفردون بهمة شديدة فطيرة الشرق الأوسط لتصبح أوسع وأطول.. سيسمونها الشرق الأوسع مثلا، وبعد الفرد ودخول مرحلة الفرن تساق كل دولة على حدة لتدخل بسرعة قصوى إلى النادي الأمريكي الصهيوني.