المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (((غزوة تبوك وماتضمنته من الفوائد )))


الفارسة
11-29-2004, 02:00 PM
الحلقة الأولى



في غزوة تَبُوك وكانت في شهر رجَب سنةَ تسع


قال ابن إسحاق‏:‏ وكانت في زمن عُسْرَةٍ مِنَ الناس، وجَدْبٍ من البلاد، وحين طابت الثمارُ، والناس يُحبون المُقام في ثمارهم وظِلالهم، ويكرهون شُخوصهم على تلك الحال، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها، وورَّى بغيرها، إلا ما كان مِن غزوة تَبُوك، لبُعْد الشُّقة، وشِدة الزمان‏.‏


فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم، وهو في جَهَازه للجَدِّ بنِ قيس أحد بنى سلمة‏:‏ ‏(‏يا جَدُّ؛ هَلْ لَكَ العَامَ في جِلاَدِ بَنى الأَصْفَرِ‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله؛ أَوَ تأذنُ لى ولا تَفْتِنِّى‏؟‏ فواللهِ لقد عرف قومى أنه ما مِن رَجُلٍ بأشدَّ عجباً بالنساء منى، وإنِّى أخشى إن رأيتُ نساءَ بنى الأصفر أن لا أصبِرَ، فأعرضَ عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏قَدْ أَذِنْتُ لَكَ‏)‏، ففيه نزلت الآية‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائذَنْ لِّى وَلا تَفْتِنِّى‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 49‏]‏


وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض‏:‏ لا تنفِرُوا في الحَرِّ، فأنزل الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ في الْحَرِّ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 81‏]‏‏.‏


ثُم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جدَّ في سفره، وأمر الناسَ بالجَهَاز، وحضَّ أهلَ الغِنَى على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغِنَى واحتسبُوا، وأنفق عثمانُ بن عفانُ في ذلك نفقةً عظيمة لم يُنفِقْ أحدٌ مِثلها‏.‏


قلت‏:‏ كانت ثلاثمائة بعير بأحْلاسها وأقتابِها وعُدَّتها، وألفَ دينار عَيْناً‏.‏


وذكر ابنُ سعد قال‏:‏ بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الرومَ قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هِرَقْل قد رَزَق أصحابَه لسنة، وأجلبت معه لَخْمٌ، وجُذام، وعَامِلَة، وغسان، وقدَِّموا مقدماتهم إلى البلقاء‏.‏


وجاء البكَّاؤون وهم سبعة يستحمِلُون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏لا أجدُ مَا أَحْمِلُكم عَلَيْه‏)‏، فتولَّوْا وأعينُهم تفيضُ من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما يُنفقون، وهم سالمُ بن عُمير، وعُلْبَةُ بنُ زيد، وأبو ليلى المازنى، وعمرو بن عَنَمَة، وسلمة بن صخر، والعِرباض بن سارية‏.‏


وفى بعض الروايات‏:‏ وعبد الله بن مُغَفَّل، ومعقِلُ بن يسار‏.‏


وبعضهم يقول‏:‏ البكَّاؤون بنو مُقَرِّن السبعة، وهم من مُزينة‏.‏ وابن إسحاق‏:‏ يعدُّ فيهم عَمْرو بن الحُمام بن الجَموح‏.‏


وأرسل أبا موسى أصحابُه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيحمِلهم، فوافاه غضبان، فقال‏:‏ ‏(‏واللهِ لا أحملكم، ولا أَجدُ ما أحمِلُكم عليه‏)‏، ثم أتاه إبل، فأرسل إليهم، ثم قال‏:‏ ‏(‏مَا أَنَا حمَلْتُكُم، ولَكِنَّ الله حَمَلَكُم، وإنِّى وَاللهِ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، إلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينى وَأَتَيْتُ الذي هُوَ خَيْرٌ‏)‏‏.‏

ام فارس
11-29-2004, 02:35 PM
بسم الله الله الرحمن الرحيم


زادكِ الله حرصاً وبارك فيكِ غاليتي الفارسة وسددك المولى لما يحب ويرضى

على ما تختارين من مواضيع نحن في امس الحاجة ان نعرفها لان فيها تذكيرٌ بالمعاني الإيمانية والدروس المستفادة من هذه الأحداث والغزوات وربطها بالواقع إلى غير ذلك أيضاً من أمور كثيرة في هذا المجال .

اكملي بارك الله فيك

اختك ام فارس

درة
11-29-2004, 04:43 PM
زادكِ الله حرصاً وبارك فيكِ غاليتي الفارسة وسددك المولى لما يحب ويرضى

واصلي حفظكِ الله ورعاك ..

أختك / درة

نسائم الإيمان
11-29-2004, 08:04 PM
زادكِ الله حرصاً وبارك فيكِ غاليتي الفارسة وسددك المولى لما يحب ويرضى

محبة القرآن
11-29-2004, 08:31 PM
*****************

بارك الرحمن فيكِ فرستنا الغاليه

ما أجمل الحديث عن غزوة تبوك والله لا تمل

حيث تحدث عن من أبلى بلاءاً حسنا وعن من قصر وعن من حبسه عن الخير العذر حتى بكى حزناً للعجز وعدم الإستطاعة

سددكِ الله أخيتي ونفع بكِ

أخيتكِ / محبة القرآن

الفارسة
12-01-2004, 10:10 PM
الحلقة الثانية



فصل‏:‏ في ما كان من أمر عُلْبَة بن زيد


وقام عُلبة بن زيد فصلَّى من الليل وبكى، وقال‏:‏ اللَّهُمَّ إنَّك قد أمرتَ بالجهاد، ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحمِلُنى عليه، وإنى أتصدَّق على كل مسلم بكل مَظْلِمَةٍ أصابنى فيها مِن مال، أو جسد، أو عِرض، ثم أصبح مع الناس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيْنَ المُتَصَدِّقُ هذِهِ اللَّيْلَة‏)‏‏؟‏‏.‏ فلم يقم إليه أحد، ثم قال‏:‏ ‏(‏أَيْنَ المُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ‏)‏، فَقَام إليه، فأخبرَه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَبْشِرْ فَوالذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ في الزَّكَاةِ المتَقَبَّلَة‏)‏‏.‏

نسائم الإيمان
12-02-2004, 12:33 AM
بارك الله بجهودك

الفارسة
12-05-2004, 06:25 PM
الحلقة الثالثة

وجاءَ المعذِّرُونَ من الأعرابِ ليؤذن لهم، فلم يَعْذِرْهم‏.‏ قال ابن سعد‏:‏ وهم اثنان وثمانون رجلاً، وكان عبدُ الله بنُ أُبَىّ بن سَلول قد عسكر على ثنية الوَداع في حُلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال‏:‏ ليس عسكره بأقلِّ العسكرين، واستخلف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصارى‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ سباع بن عُرْفُطَةَ، والأول أثبت‏.‏


فلما سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، تخلَّف عبدُ الله بن أُبَىّ ومَنْ كان معه، وتخلَّف نَفَر مِن المسلمين مِن غير شك ولا ارتياب، منهم‏:‏ كعبُ بن مالك، وهِلالُ ابن أُمية، ومُرَارَةُ بنُ الربيع وأبو خَيثمة السالمى، وأبو ذر، ثم لحقه أبو خيثمة، وأبو ذر، وشهدها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفاً مِن الناس، والخيلُ عشرة آلاف فرس، وأقام بها عشرين ليلة يقصُر الصَّلاة، وهِرَقْلُ يومئذِ بحمص‏.‏


قال ابن إسحاق‏:‏ ولما أراد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الخروجَ، خلَّف علىَّ بنَ أبى طالب على أهله، فأرْجَفَ به المنافقون، وقالوا‏:‏ ما خلَّفه إلا استثقالاً وتخففاً منه، فأخذ علىُّ رضى الله عنه سِلاحه، ثم خرج حتى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجُرْفِ، فقال‏:‏ يا نبىَّ الله؛ زعم المنافقون أَنك إنما خلَّفتنى لأنك استثقلتنى وتخففتَ منى، فقال‏:‏ ‏(‏كَذَبُوا، ولكِنِّى خَلَّفْتُكَ لما تركْتُ وَرَائِى، فارْجعْ فَاخْلُفْنى في أهْلِى وَأَهْلِكَ، أَفَلاَ تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسى‏؟‏ إلا أنَّهُ لا نَبِىَّ بَعْدِى‏)‏ فرجع علىُّ إلى المدينة‏.

الفارسة
12-05-2004, 06:30 PM
ماتضمنته الدروس الثلاث من الفوائد

فمنها‏:‏ جوازُ القتال في الشهر الحرام إن كان خروجُه في رجب محفوظاً على ما قاله ابن إسحاق، ولكن ههنا أمر آخر، وهو أن أهلَ الكتاب لم يكونوا يُحرِّمون الشهرَ الحرام، بخلاف العرب، فإنها كانت تُحرِّمه، وقد تقدَّم أنَّ في نسخ تحريمِ القتال فيه قولين ‏.‏


ومنها‏:‏ تصريحُ الإمام للرعية، وإعلامُهم بالأمر الذي يضرُّهم سترُه وإخفاؤُه، ليتأهبوا له، ويُعِدُّوا له عُدته، وجوازُ ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة‏.‏


ومنها‏:‏ أنَّ الإمام إذا استنفر الجيش، لزمهم النفيرُ، ولم يجز لأحد التخلفُ إلا بإذنه، ولا يُشترطُ في وجوب النفير تعيينُ كلِّ واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش، لزم كُلَّ واحد منهم الخروجُ معه، وهذا أحدُ المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرض عَيْن‏.‏ والثانى‏:‏ إذا حضر العدوُّ البلد‏.‏ والثالث‏:‏ إذا حضر بين الصفين‏.‏


ومنها‏:‏ وجوبُ الجهاد بالمال، كما يجبُ بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهى الصوابُ الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيقُ الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينُه، بل جاء مقدَّماً على الجهاد بالنفس في كُلِّ موضع، إلا موضعاً واحداً، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكدُ من الجهاد بالنفس، ولا ريبَ أنه أحدُ الجهادين، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا‏)‏، فيجب على القادر عليه، كما يجب على القادر بالبدن، ولا يَتِمُّ الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العَدد، وجب عليه أن يمد بالمال والعُدة، وإذا وجب الحجُّ بالمال على العاجز بالبدن، فوجوبُ الجهاد بالمال أَوْلى وأَحرى‏.‏


ومنها‏:‏ ما برز به عُثمانُ بن عفان من النفقةِ العظيمة في هذه الغزوة، وسبق به الناس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏غَفَرَ اللهُ لَكَ يا عُثْمَانُ ما أَسْرَرْتَ، ومَا أَعْلَنْتَ، ومَا أَخْفَيْتَ، وما أبْدَيْتَ‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏ما ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ‏)‏، وكان قد أنفق ألفَ دينار، وثلاثمائة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابِها‏.‏


ومنها‏:‏ أن العاجزَ بماله لا يُعذرُ حتى يَبْذُلَ جهده، ويتحقَّقَ عجزُهُ، فإن الله سبحانه إنما نفى الحَرَجَ عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم، فقال‏:‏‏{‏لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ‏}‏، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد، فهذا العاجز الذي لا حَرَج عليه‏.‏


ومنها‏:‏ استخلافُ الإمام إذا سافر رجلاً من الرعية على الضعفاء، والمعذورين، والنساء، والذُرِّية، ويكون نائبه مِن المجاهدين، لأنه من أكبر العون لهم‏.‏ وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستخلِف ابنَ أُمِّ مكتوم، فاستخلفه بضعَ عشرة مرة، وأما في غزوة تَبُوك‏.‏


فالمعروفُ عند أهل الأثر أنه استخلف علىَّ ابن أبى طالب، كما في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن سعد بن أبى وقاص، قال‏:‏ خلَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً رضى الله عنه في غزوة تَبُوك، فقال‏:‏ يا رسول الله؛ تُخَلِّفُنى مَعَ النساءِ والصبيان، فقال‏:‏ ‏(‏أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى‏)‏‏.‏ ولكن هذه كانت خلافةً خاصة على أهله صلى الله عليه وسلم، وأما الاستخلافُ العام، فكان لمحمد بن مسلمة الأنصارى، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفُوا به، وقالوا‏:‏ خلَّفه استثقالاً، أخذ سلاحه ثم لحق بالنبى صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال‏:‏ ‏(‏كَذَبُوا، ولكِـنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ وَرائى، فارْجعْ فاخْلُفْنى في أَهْلى وَأَهْلِكَ‏)‏‏.‏

ام فارس
12-06-2004, 10:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم اقم علم الجهاد , وانصر اخواننا المجاهدين في كل مكان

بارك الله فيك وزادك من فضله.

ونحن في انتظار البقية

اختك ام فارس

أخت المجاهدين
12-06-2004, 10:36 PM
الله يعطيك العافية

ويجزاك بالخير فقد امتعتينا بهذا الموضوع

أبو هدى
12-07-2004, 09:50 AM
أحسن الله إليك وجزاك عنا خير الجزاء

وجعله في ميزان حسناتك يوم القيامة

أبــــ أحمد ــو
12-07-2004, 11:17 AM
أحسن الله إليك وجزاك عنا خير الجزاء

وجعله في ميزان حسناتك يوم القيامة

أبو أحمد

الفارسة
12-18-2004, 05:47 PM
الحلقة الرابعه

ثُمَّ إنَّ أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشينِ لهما في حائطه، قد رشَّت كُلُّ واحدة منهما عريشَها، وبرَّدَتْ له ماء، وهيأت له فيه طعاماً، فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال‏:‏ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحِّ، والرِّيح، والحر، وأبو خيثمة في ظِلٍّ بارد، وطعام مُهَيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم‏؟‏ ما هذا بالنَّصَفِ، ثم قال‏:‏ واللهِ لا أدخل عريشَ واحدة منكما حتى ألحقَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فهيِّئا لى زاداً، ففعلتا، ثم قدَّم ناضِحه، فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تَبُوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عُميرُ بن وهب الجمحى في الطريق يطلُب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تَبُوك، قال أبو خيثمة لِعُمير بن وهب‏:‏ إنَّ لى ذنباً، فلا عليك أن تتخلَّف عنى حتى آتىَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ففعل حتى إذا دنا مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتَبُوك، قال الناس‏:‏ هذا راكبٌ على الطريق مُقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كُنْ أبَا خَيْثَمَةَ‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله؛ هو واللهِ أبو خيثمة، فلما أناخَ أقبل، فسلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أوْلى لَكَ يَا أبَا خَيْثَمَة‏)‏، فأخبرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرَه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خَيْرَاً ودعا له بخير‏.

الفارسة
12-23-2004, 11:53 AM
الحلقة الخامسة

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرَّ بالحِجْر بديار ثمود، قال‏:‏ ‏(‏لا تَشْرَبُوا مِنَ مَائِهَا شَيْئاً، وَلا تَتَوَضَّؤوا مِنْهُ لِلصَّلاةِ، وما كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوه فَاعْلِفُوهُ الإبِلَ، ولا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئاً، ولا يَخْرُجَنَّ أحَدٌ منكم إلا ومعه صَاحِبٌ له‏)‏، ففعل النَّاسُ، إلا أنَّ رجلين من بنى ساعدة خرج أحـدُهما لحاجته، وخرج الآخرُ في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته، فإنه خُنِق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره، فاحتملته الريحُ حتى طرحته بجبلى طيئ، فأُخبرَ بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏ألمْ أنْهَكُم أَنْ لا يَخْرُجَ أحَدٌ مِنْكُم إلاَّ ومَعَهُ صَاحِبُه‏)‏، ثم دعا للذى خُنِقَ على مذهبه فشُفى، وأما الآخر، فأهدته طيئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة‏.‏


قلت‏:‏ والذي في ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، من حديث أبى حُمَيد‏:‏ انطلقنا حتى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏سَتَهُبُّ عَلَيْكُم اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلا يَقُمْ مِنْكُم أحَدٌ، فَمنْ كانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالهُ‏)‏ فهبَّت رِيحٌ شَدِيدَة، فقام رجل فحملته الريحُ حتى ألقته بِجَبَلَىْ طَىِّء‏.‏


قال ابن هشام‏:‏ بلغنى عن الزُّهْرى أنه قال‏:‏ لما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجْر، سجَّى ثوبه على وجهه، واستحثَّ راحلته، ثم قال‏:‏ ‏(‏لا تَدْخُلُوا بُيوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم إلاَّ وَأَنْتُم بَاكُونَ خَوْفاً أنْ يُصِيبَكُم مَا أَصَابَهُمْ‏)‏‏.‏


قلت‏:‏ في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث ابن عمر، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تَدْخُلوا عَلى هؤلاءِ القَوْمِ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فإنْ لم تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلوا عَلَيْهِم لا يُصِيبُكم مِثْلُ مَا أَصَابَهُم‏)‏‏.‏


وفى ‏(‏صحيح البخارى‏)‏ أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه‏.‏


وفى ‏(‏صحيح مسلم‏)‏‏:‏ أنه أمرهم أن يَعْلِفوا الإبلَ العَجِينَ، وأن يُهرِيقُوا الماءَ، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة‏.‏ وقد رواه البخارىُّ أيضاً، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه مَنْ روى الطرح‏.‏


وذكر البيهقىُّ أنه نادى فيهم‏:‏ الصلاةَ جامعة، فلما اجتمعوا، قال‏:‏ ‏(‏علامَ تدخُلون على قوم غَضِبَ اللهُ عليهم‏)‏، فناداه رجل فقال‏:‏ نَعْجَبُ مِنْهُم يَا رَسول الله، فقال‏:‏ ‏(‏ألاَ أُنْبِئُكُم بِما هُوَ أعْجَبُ مِنْ ذلِكَ‏؟‏ رَجُلٌ مِنْ أنْفُسِكُم يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُم وَمَا هُو كَائِنٌ بَعْدَكُم، اسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَعْبأُ بِعَذِابِكُم شَيْئاً، وَسَيأتِى اللهُ بِقَوْمٍ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفْسِهِم شيئاً‏)‏‏.‏

الفوائد من هذه القصة

ومنها أنَّ الماء الذي بآبار ثمود، لا يجوز شُربه، ولا الطبخُ منه، ولا العجينُ به، ولا الطهارةُ به، ويجوز أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة‏.‏ وكانت معلومةً باقية إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استمر عِلْمُ الناسِ بها قرناً بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا يرِدُ الركوبُ بئراً غيرها، وهى مطويَّةٌ محكمة البناء، واسعة الأرجاء، آثار العِتق عليها بادية، لا تشتبِه بغيرها‏.‏


ومنها‏:‏ أنَّ مَن مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذَّبين، لم ينبغ له أن يدخُلَها، ولا يُقيم بها، بل يُسرع السير، ويتقنَّع بثوبه حتى يُجاوِزَها، ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً‏.‏


ومن هذا إسراعُ النبى صلى الله عليه وسلم السير في وادى مُحَسِّر بين مِنَى وعَرَفة، فإنه المكانُ الذي أهلك الله فيه الفيلَ وأصحابه‏.‏
ومنها‏:‏ أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم كان يجمعُ بين الصلاتين في السفر، وقد جاء جمعُ التقديم في هذه القصة في حديث معاذ، كما تقدَّم، وذكرنا عِلَّة الحديث‏.‏ ومَن أنكره، ولم يجئ جمع التقديم عنه في سفر إلا هذا، وصح عنه جمعُ التقديمِ بعَرَفة قبل دخوله إلى عَرَفة، فإنه جَمَعَ بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فقيل‏:‏ ذلك لأجل النُّسُك، كما قال أبو حنيفة‏.‏ وقيل‏:‏ لأجل السفر الطويل، كما قاله الشافعى وأحمد‏.‏ وقيل‏:‏ لأجل الشغل، وهو اشتغالُه بالوقوف، واتصالُه إلى غروب الشمس‏.‏ قال أحمد‏:‏ يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السَّلَف والخَلَف، وقد تقدَّم‏.‏


ومنها‏:‏ جوازُ التَّيَمُم بالرمل، فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأَصحابَه، قطعوا الرمال التي بين المدينة وتَبُوك، ولم يحملوا معهم تراباً بلا شك، وتلك مفاوز مُعْطِشة شكوا فيها العطشَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطعاً كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، هذا كُلُّه مما لا شك فيه مع قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِى الصَّلاةُ، فَعِنْدَهُ مَسْجِدُه وَطَهُورُه‏)‏‏.‏


ومنها‏:‏ أنَّه صلى الله عليه وسلم أقام بتَبُوك عشرين يوماً يَقْصُر الصلاة، ولم يَقل للأُمَّة‏:‏ لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثرَ من ذلك، ولكن اتفقت إقامتُه هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع‏.‏


وقد اختلف السَّلَفُ والخَلَف في ذلك اختلافاً كثيراً، ففى ‏(‏صحيح البخارى‏)‏ عن ابن عباس، قال‏:‏ أقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسعَ عشرةَ يُصلِّى ركعتين، فنحن إذا أقمْنا تِسْعَ عشرةَ نُصَلِّى ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا، وظاهرُ كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمنَ الفتح، فإنه قال‏:‏ أقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمكة ثمان عشرة زمنَ الفتح، لأنه أراد حُنَيْناً، ولم يكن ثَمَّ أجمعَ المُقام، وهذه إقامته التي رواها ابنُ عباس‏.‏ وقال غيرُه‏:‏ بل أراد ابنُ عباس مقامه بتَبُوك، كما قال جابر بن عبد الله‏:‏ أقام النبىُّ صلى الله عليه وسلم بتَبُوك عشرينَ يوماً يقصُر الصلاة، رواه الإمام أحمد في ‏(‏مسنده‏)‏‏.‏


وقال عبد الرحمن بن المِسور بن مَخْرَمَة‏:‏ أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصُرُها سعد ونُتِمُّها‏.‏


وقال نافعُ‏:‏ أقام ابنُ عمر بأذَربيجَانَ ستةَ أشهر يُصَلِّى ركعتين، وقد حال الثلجُ بينه وبين الدخول‏.‏


وقال حفصُ بن عُبيد الله‏:‏ أقام أنسُ بنُ مالك بالشام سنتين يُصَلِّى صلاةَ المسافر‏.‏


وقال أنسُ‏:‏ أقام أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِرَامَهُرْمُزَ سَبعة أشهر يقصُرون الصلاة‏.‏


وقال الحسن‏:‏ أقمتُ مع عبد الرحمن بن سَمُرة بكابُل سنتينِ يقصرُ الصلاة ولا يجمع‏.‏


وقال إبراهيم‏:‏ كانوا يُقيمون بالرَّىِّ السنة، وأكثر من ذلك، وسجستان السنتين‏.‏


فهذا هَدْى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى، وهو الصوابُ‏.‏


وأما مذاهبُ الناس، فقال الإمام أحمد‏:‏ إذا نوى إقامةَ أربعة أيام، أتم، وإن نوى دونها، قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يُجمعوا الإقامة ألبتة، بل كانوا يقُولون‏:‏ اليوم نخرج، غداً نخرج‏.‏ وفى هذا نظر لا يخفى، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وهى ما هي، وأقام فيها يُؤسِّسُ قواعِدَ الإسلام، ويهدِمُ قواعِدَ الشِّرك، ويُمهِّد أمر ما حولها مِن العرب، ومعلوم قطعاً أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد، ولا يومين، وكذلك إقامتُه بتَبُوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعاً، أنه كان بينه وبينهم عِدَّةُ مراحل يحتاج قطعها إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصُر الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحللُ ويذوب في أربعة أيام، بحيث تنفتح الطُّرُق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصُر، وإقامةُ الصحابة بِرَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصُرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحِصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضى في أربعة أيام‏.‏ وقد قال أصحاب أحمد‏:‏ إنه لو أقام لجهاد عدو، أو حبس سلطان، أو مرض، قصر، سواء غلب على ظنِّه انقضاءُ الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب، ولا سُـنَّة، ولا إجماع، ولا عمل الصحابة‏.‏ فقالُوا‏:‏ شرط ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، وهى ما دُون الأربعة الأيام، فيقال‏:‏ من أين لكم هذا الشرط، والنبىُّ لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصُر الصلاة بمكة وتَبُوك لم يقل لهم شَيْئاً، ولم يُبين لهم أنه لم يَعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلمُ أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسَّوْنَ به في قصرها في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفاً واحداً‏:‏ لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا مِن أهم المهمات، وكذلك اقتداءُ الصحابة به بعدَه، ولم يقولوُا لمن صَلَّى معهم شيئاً من ذلك‏.‏


وقال مالك والشافعى‏:‏ إنْ نوى إقامةَ أكثرَ مِن أربعة أيام أتمَّ، وإن نوى دونها قصر‏.‏


وقال أبو حنيفة‏:‏ إنْ نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتمَّ، وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بنِ سعد، ورُوى عن ثلاثة من الصحابة‏:‏ عمر، وابنه، وابن عباس‏.‏ وقال سعيد بن المسيِّب‏:‏ إذا أقمتَ أربعاً فصَلِّ أربعاً، وعنه‏:‏ كقول أبى حنيفة‏.‏


وقال علىُّ بن أبى طالب‏:‏ إنْ أقامَ عشراً، أتمَّ، وهو روايةٌ عن ابن عباس‏.‏


وقال الحسن‏:‏ يقصُر ما لم يقدَم مصراً‏.‏


وقالت عائشةُ‏:‏ يقصُر ما لم يضع الزاد والمزاد‏.‏


والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول‏:‏ اليوم أخرج، غداً أخرج، فإنه يقصر أبداً، إلا الشافعىّ في أحد قوليه، فإنه يقصُر عنده إلى سبعة عشر، أو ثمانية عشر يوماً، ولا يقصُر بعدها‏.‏ وقد قال ابن المنذر في ‏(‏إشرافه‏)‏‏:‏ أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمِع إقامة وإن أتى عليه سنون‏.‏

أبو هدى
12-25-2004, 08:08 AM
أثابك الله وأحسن إليك

مليكة الطهر
01-06-2005, 12:33 AM
بارك الله فيك وجعله في ميزان حسناتك

الفارسة
01-07-2005, 01:46 PM
الحلقة السادسة
فصل‏:‏ في بعض المعجزات في هذه الغزوة


قال ابن إسحاق‏:‏ وأصبح الناسُ ولا ماء معهم، فَشكَوْا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلَ الله سُبحانه سحابةً، فأمطرت حتى ارتوى الناسُ، واحتملُوا حاجَتهم من الماء‏.‏


ثم إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعضِ الطريق، ضلَّت ناقتُه، فقال زيد بن اللُّصَيْتِ وكان منافقاً ‏:‏ أليس يزعُمُ أنه نبى، ويُخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقتُه‏؟‏ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنَّ رَجُلاً يَقُولُ، وذَكَرَ مَقَالَتَهُ، وإنِّى والله لا أعْلَمُ إلاَّ ما عَلَّمنى اللهُ، وقَدْ دَلَّنى اللهُ عَلَيْهَا، وهى في الوَادى في شِعْبِ كَذا وكَذَا، وقَدْ حَبَسَتْها شَجَرَةٌ بِزِمَامِها، فانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتونى بها‏)‏ فذهبوا فأَتَوْهُ بها ‏.‏وفى طريقه تلك خَرَصَ حديقة المرأة بعشرة أوسق ‏.‏


ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتخلَّف عنه الرجلُ فيقولون‏:‏ تخلَّف فلان، فيقول‏:‏ ‏(‏دَعُوه فإنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ، فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُم، وإنْ يَكُ غَيْرَ ذلِكَ، فَقَد أرَاحَكُمُ اللهُ مِنْهُ‏)‏‏.‏


وتلوَّم على أبى ذَرٍ بعيرُه، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبعُ أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً، ونزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر مِن المسلمين فقال‏:‏ يا رسولَ الله؛ إنَّ هذا الرجل يمشى على الطريق وحدَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كُنْ أبَا ذَرٍ‏)‏، فلما تأمله القومُ، قالوا‏:‏ يا رسول الله؛ واللهِ هو أبو ذر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏رَحِمَ اللهُ أبا ذَرٍ؛ يَمْشِى وَحْدَهُ، ويَمُوتُ وَحْدَهُ، ويُبْعَثُ وحْدَهُ‏)‏‏.‏


قال ابن إسحاق‏:‏ فحدَّثنى بريدة بن سفيان الأسلمى، عن محمد بن كعب القُرظى، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ لما نفى عثمانُ أبا ذر إلى الرَّبذَةِ، وأصابه بها قَدَرُه، لم يكن معه أحدٌ إلا امرأتُه وغلامُه، فأوصاهما‏:‏ أن غَسِّلانى وكَفِّنانى، ثم ضعانى على قارعة الطريق، فأوَّل رَكْب يمرُّ بكم فقولُوا‏:‏ هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه، فلما مات، فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبدُ الله بن مسعود في رهط معه من أهل العِراق عُمَّاراً فلم يَرُعْهُمْ إلا بالجِنازة على ظهر الطَّريق قد كادت الإبلُ تَطَؤُها، وقام إليهم الغلام، فقال‏:‏ هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه، قال‏:‏ فاستهلَّ عبدُ الله يبكى ويقول‏:‏ صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تَمْشِى وَحْدَكَ، وتَمُوتُ وَحْدَكَ، وتُبْعَثُ وَحْدَكَ‏)‏، ثم نزل هو وأصحابه، فوارَوْه، ثم حَدَّثهم عبدُ الله بن مسعود حديثه، وما قال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تَبُوك‏.‏


قلت‏:‏ وفى هذه القصة نظر، فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في ‏(‏صحيحه‏)‏ وغيره في قصة وفاته، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أُم ذر، قالت‏:‏ لما حضرت أبا ذَر الوفاةُ، بَكَيْتُ، فقال‏:‏ ما يُبكيكِ‏؟‏ فقلت‏:‏ ما لى لا أبكى، وأنت تموتُ بفَلاة من الأرض، وليس عندى ثوبٌ يسعُك كفَناً، ولا يدان لى في تغييبك‏؟‏ قال‏:‏ أبشرى ولا تبكى، فإنى سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنَفَرٍ أنا فيهم‏:‏ ‏(‏لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منكم بِفلاةٍ مِنَ الأرض يَشْهَدُه عِصَابةٌ من المُسْلمين‏)‏ وليس أحَدٌ من أولئِكَ النَّفَرِ إلا وقد مات في قريةٍ وجمَاعةٍ، فأنا ذلِكَ الرَّجُلُ، فواللهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فأبصرى الطريق، فقُلت‏:‏ أنَّى وقد ذهب الحاجُّ، وتقطعت الطُّرُقُ‏؟‏، فقال‏:‏ اذهبى فتبصَّرى‏.‏ قالت‏:‏ فكنتُ أُسنِدُ إلى الكَثِيبِ أتبصَّر، ثم أرجع فأُمرِّضه، فبينا أنا وهو كذلك، إذ أنا برجال على رِحالهم كأنهم الرَّخَمُ تَخُبُّ بهم رواحِلُهم، قالت‏:‏ فأشَرتُ إليهم، فأسرعوا إلىَّ حَتى وقفُوا علىَّ فقالوا‏:‏ يا أَمةَ الله؛ مالك‏؟‏ قلت‏:‏ امرؤ من المسلمين يَمُوت تُكفنونه‏.‏ قالوا‏:‏ ومَن هو‏؟‏ قلت‏:‏ أبو ذر‏.‏ قالوا‏:‏ صاحِبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، ففدَّوْه بآبائهم وأُمهاتِهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم‏:‏ أبشِروا فإنى سـمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لنَفَر أنا فيهم‏:‏ ‏(‏لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منكم بِفَلاةٍ مِن الأرضِ يَشْهَدُه عِصَابةٌ من المؤمنين‏)‏ وَلَيْسَ مِنْ أُولئِكَ النَّفَرِ رَجُلٌ إلاَّ وقد هَلَكَ في جَمَاعَةٍ، واللهِ ما كَذَبْتُ ولاَ كُذِبْتُ، إنه لو كان عندى ثوبٌ يسعُنى كفناً لى أو لامرأتى، لم أكُفَّن إلا في ثوب هُوَ لى أو لها، فإنى أنشُدُكُم الله أن لا يكفِّنَنى رجل منكم كان أميراً، أو عريفاً، أو بريداً، أو نقيباً، وليس من أولئك النَّفَر أحد إلا وقد قارفَ بعضَ ما قال إلا فتًى من الأنصار قال‏:‏ أنا يا عمُّ، أُكَفِّنُك في ردائى هذا، وفى ثوبين مِن عَيبتى من غزل أُمى‏.‏ قال‏:‏ أنتَ فكفِّنى، فكفَّنه الأنصارى، وقاموا عليه، ودفنوه في نَفَر كُلُّهم يمان‏.‏


رجعنا إلى قصة تبوك‏:‏ وقد كان رهطٌ من المنافقين، منهم‏:‏ وديعة بن ثابت أخو بنى عَمْرو بن عَوْف، ومنهم رجل مِن أشجع حليف لبنى سلمة يقال له‏:‏ مَخْشى بن حُمَيِّر، قال بعضهم لبعضٍ‏:‏ أتحسبون جلاد بنى الأصفر، كقتال العرب بَعضِهم لبعض‏؟‏ واللهِ لكأنَّا بكم غداً مقرَّنين في الحِبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين‏.‏ فقال مَخْشِى بن حُمَيِّر‏:‏ واللهِ لودِدت أنى أُقَاضَى على أن يُضرب كُل منا مائةَ جَلدة، وإنَّا ننفلِتُ أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه‏.‏ وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعمَّار بن ياسر‏:‏ ‏(‏أدْرِك القَوْمَ، فإنهم قد احْتَرَقُوا فَسَلْهُم عَمَّا قالوا‏؟‏ فإن أنكروا، فَقُلْ‏:‏ بل قُلتُم‏:‏ كذا وكذا‏)‏‏.‏ فانطلق إليهم عمَّار، فقال لهم ذلك، فأتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يعتذِرُون إليه، فقال وديعة بن ثاب‏:‏ كنا نخوضُ ونلعبُ، فأنزل الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 65‏]‏ فقال مخشى بن حُمْيِّر‏:‏ يا رسول الله؛ قعد بى اسمى واسمُ أبى، فكان الذي عُفىَ عنه في هذه الآية، وتسمَّى عبد الرحمن، وسألَ الله أن يُقتل شـهيداً لا يُعلم بمكانه، فقُتِل يومَ اليمامة، فلم يوجد له أثر‏.‏


وذكر ابن عائذ في ‏(‏مغازيه‏)‏، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل تَبُوكَ في زمان قلَّ ماؤُها فيه، فاغترف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غَرفةً بيده من ماء، فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينُها حتى امتلأت، فهى كذلك حتى الساعة‏.‏


قلت‏:‏ في ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ أنه قال قبل وصوله إليها‏:‏ ‏(‏إنَّكُم سَتَأتُونَ غداً إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى عَيْنَ تَبُوك، وإنَّكُم لَنْ تَأْتُوها حَتَّى يُضْحِىَ النَّهارُ، فمَن جَاءَهَا فلا يَمَسنَّ مِنْ مائِها شيئاً حتى آتى‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فجئناها وقَدْ سَبَق إليها رَجُلانِ، والعَيْن مِثْلُ الشِّرَاكِ تًبِضُّ بشئ من ماءٍ، فسألهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هل مَسَسْتُما مِن مائها شيئاً‏)‏‏؟‏ قالا‏:‏ نَعم، فسبَّهُمَا النبى صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقول، ثُمَّ غرفُوا مِن العَيْن قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شئ، وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهَه ويَدَيْه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء مُنْهمِرٍ، حتى استقى النَّاسُ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يُوشِكُ يا مُعاذُ إن طالتْ بكَ حَياةٌ أن ترى ما هاهنا قدْ مُلِئ جِنَاناً‏)‏‏.‏

الفارسة
01-07-2005, 01:50 PM
الفوائد من هذه القصة

ومنها‏:‏ جواز الخَرْصِ للرُّطَبِ على رؤوس النخل، وأنه من الشرع، والعمل بقول الخارص، وقد تقدَّم في غزاة خَيْبَر، وأن الإمام يجوز أن يخرِصَ بنفسه، كما خرصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديقة المرأة‏.

الفارسة
02-07-2005, 12:55 PM
الحلقة السابعة
فصل‏:‏ في مصالحة صاحب أَيْلَة وأهل جَرْبا وأذْرُح


ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تَبُوك، أتاه صاحبُ أَيْلَة، فصالحَه وأعطاه الجزيةَ، وأتاه أهل جَرْبا، وأذْرُح، فأعطَوْه الجزيَة، وكتب لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، فهو عِندهم، وكتب لِصاحب أَيْلة‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أَمَنَةٌ مِن الله، ومحمد النبى رسول الله لِيُحَنَّةَ بن رُؤْبَةَ، وأهلِ أَيْلَة، سُفنهم، وسيارتهم في البرِّ والبحرِ، لهم ذِمةُ اللهِ، ومحمد النبى، ومَنْ كان معهم مِن أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمَن أحدث منهم حَدَثاً، فإنه لا يَحولُ مالُه دونَ نفسه، وإنَّه لمن أخذه مِن الناس، وإنه لا يحِلُّ أن يُمنعوا ماءً يردونه، ولا طريقاً يردونه من بَحْرٍ أو بَرٍّ‏)‏ ‏.‏




قال ابن إسحاق‏:‏ ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيْدر دُومة، وهو أُكَيْدر بن عبد الملِك، رجل مِن كِندة، وكان نصرانياً، وكان ملكاً عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد‏:‏ ‏(‏إنَّكَ سَتجِدُه يَصِيدُ البَقَرَ‏)‏، فخرجَ خالد حتى إذا كان مِن حصنه بمنظر العَيْن، وفى ليلة مُقمرة صَافية، وهو على سطـح له، ومعه امرأته، فباتَتِ البقرُ تَحُكُّ بِقُرونها بابَ القصر، فقالتْ له امرأتُه‏:‏ هل رأيتَ مثل هذا قطُّ‏؟‏ قال‏:‏ لا واللهِ‏.‏ قالت‏:‏ فمَن يترك هذه‏؟‏ قال‏:‏ لا أحد، فنزل، فأمر بفرسه، فأُسرجَ له، وركب معه نَفَر مِن أهل بيته فيهم أخ له يقال له‏:‏ حسَّان، فركب وخرجُوا معه بمطاردهم، فلما خرجُوا، تلقَّتهم خيلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباء مِن دِيباج مخوَّصٌ بالذهب، فاستلبه خالد، فبعثَ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلَ قدومه عليه، ثم إن خالداً قدم بأُكَيْدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دَمَه، وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته‏.‏


وقال ابنُ سعد‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً في أربعمائة وعشرين فارساً، فذكر نحو ما تقدَّم‏.‏ قال‏:‏ وأجار خالد أُكَيْدر من القتل حتى يأتىَ به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، على أن يَفتح له دُومة الجندل، ففعلَ وصالحه على ألفى بعير، وثمانمائة رأس، وأربعمائة دِرع، وأربعمائة رُمح، فعزل للنبىِّ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّهُ خالِصاً، ثم قسم الغنيمة، فأخرج الخُمس، فكان للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم قسم ما بقى في أصحابه، فصار لِكل واحد منهم خَمْسُ فرائض‏.‏


وذكر ابنُ عائذ في هذا الخبر، أنَّ أُكَيْدر قال عن البقر‏:‏ واللهِ ما رأيتها قط أتتنا إلا البارحة، ولقد كنتُ أُضْمِرُ لها اليومينِ والثلاثة، ولكن قدر الله‏.‏


قال موسى بن عُقبة‏:‏ واجتمع أُكَيْدر، ويُحَنَّة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهما إلى الإسلام، فأبيا، وأقرا بالجزية، فقاضاهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قضية دُومة، وعلى تَبوك، وعلى أَيْلَة، وعلى تيماء، وكتب لهما كتاباً‏.‏


رجعنا إلى قصة تبوك‏:‏ قال ابن إسحاق‏:‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتَبُوك بِضعَ عشرة ليلةً لم يُجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يخرج من وَشَل يُروى الراكبَ والراكبين والثلاثة، بوادٍ يقال له‏:‏ وادى المُشَقَّق، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ سَبَقَنَا إلى ذلِك المَاءِ، فَلاَ يَسْتَقِينَّ منه شَيْئاً حَتَّى نأتيه‏)‏ قال‏:‏ فسبقه إليه نَفَر من المنافقين، فاستَقَوْا، فلم ير فيه شـيئاً، فقال‏:‏ ‏(‏مَنْ سَبَقَنَا إلى هذَا المَاءِ‏)‏‏؟‏ فقيل له‏:‏ يا رسول الله؛ فلان وفلان‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أوَ لَمْ أَنْهَهُم أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئاً حَتَّى آتيَه‏)‏، ثم لَعَنهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ودعا عليهم، ثم نَزَل فوضع يده تحتَ الوشل، فجعل يَصُبُّ في يده ما شاء الله أن يَصُبَّ، ثم نَضَحه به، ومسحه بيده، ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعوَ به، فانخرق مِن الماءكما يقول مَن سمعه ما إن له حِسّاً كحِسِّ الصواعِق، فشرب الناسُ، واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لَئِنْ بَقِيتُم أوْ مَنْ بَقِىَ مِنْكُم لَيَسْمَعَنَّ بهذا الوادى، وهُوَ أخْصَبُ مَا بين يَدَيْهِ ومَا خلفه‏)‏‏.‏


قلت‏:‏ ثبت في ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ ‏(‏إنَّكُم سَتَأْتُونَ غَداً إنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوك، وإنَّكُم لَنْ تَأْتُوها حَتَّى يُضْحِى النّهارُ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلاَ يَمسَّ مِنْ مَائِها شَيئاً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث، وقد تقدَّم‏.‏فإن كانت القصة واحدة، فالمحفوظُ حديث مسلم، وإن كانت قصتين، فهو ممكن‏.‏


قال‏:‏ وحدَّثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، أن عبدَ اللهِ ابن مسعود كان يُحَدِّثُ، قال‏:‏ قُمت مِن جوفِ الليل، وأنا معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تَبُوكَ، فرأيت شُعلةً من نار في ناحية العسكر، فاتَّبَعْتُها أنظُرُ إليها، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وإذا عبدُ الله ذو البِجادَيْنِ المزنى قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حُفرته، وأبو بكر وعمر يُدليانه إليه، وهو يقول‏:‏ ‏(‏أدنيا إلىَّ أخاكما‏)‏، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ إنِّى قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِياً عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ‏)‏، قال‏:‏ يقولُ عبد الله بن مسعود‏:‏ ياليتنى كنتُ صاحِبَ الحُفرة‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرْجعَه مِن غزوة تَبُوك‏:‏ ‏(‏إنَّ بالمَدِينَةِ لأَقْواماً ما سِرْتُم مَسيراً، ولا قَطَعْتُمْ وادياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله؛ وهُمْ بالمدينة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نَعَمْ حَبَسَهُم العُذْرُ‏)‏‏.‏

الفارسة
02-07-2005, 01:01 PM
الفوائد من هذه القصة


1ـ في انتقاض عهد أهل العهد والذِّمَّة إذا أحدثوا حَدَثاً
أن أهلَ العهد والذِّمَّة إذا أحدث أحد منهم حَدَثاً فيه ضرر على الإسلام، انتقضَ عهدُه في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام، فدمُه وماله هدر، وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أهل أيلة‏:‏ فمَن أحدث منهم حَدَثاً، فإنه لا يحول مالُه دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس، وهذا لأنه بالإحداث صار محارباً، حكمه حكم أهل الحرب‏
2ـ في جواز الدفن ليلاً


ومنها‏:‏ جواز الدفن بالليل، كما دفن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذا البِجادين ليلاً، وقد سُئل أحمد عنه، فقال‏:‏ وما بأسٌ بذلك‏.‏ وقال‏:‏ أبُو بكر دُفِنَ ليلاً، وعلىّ دفن فاطمة ليلاً‏.‏ وقالت عائشة‏:‏ سمعنا صوتَ المساحِى من آخِر الليل في دفن النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏‏.‏ انتهى‏.‏


ودفن عُثمان، وعائشةُ، وابنُ مسعود ليلاً‏.‏


وفى الترمذى عن ابن عباس، أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً، فأُسْرِجَ له سِراج، فأخذه من قِبَل القِبْلة، وقال‏:‏ ‏(‏رحمك الله؛ إن كُنْتَ لأَوَّاهَاً تَلاءً لِلْقُرآن‏)‏‏.‏ قال الترمذى‏:‏ حديث حسن‏.‏


وفى البخارى‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل فقال‏:‏ ‏(‏مَنْ هذَا‏)‏‏؟‏ قالُوا‏:‏ فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ؛ فَصَلَّى عَلَيْهِ‏.‏


فإن قيل‏:‏ فما تصنعون بما رواه مسلم في ‏(‏صحيحه‏)‏ أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم خطب يوماً، فذكر رجلاً مِن أصحابِه قُبضَ فَكُفِّن في كَفَنٍ غَيْرِ طَائِل، وَقُبِرَ لَيْلاً، فزجَرَ النَّبىُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُقَبَرَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ حتَّى يُصَلَّى عليه إلا أَنْ يُضطرَّ إنْسَانٌ إلَى ذلِكَ‏؟‏ قال الإمام أحمد‏:‏ إليه أذهب‏.‏


قيل‏:‏ نقول بالحديثين بحمد اللهِ، ولا نرُدُّ أحدَهما بالآخر، فنكره الدفنَ بالليل، بل نزجُر عنه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة، كميت مات مع المسافرين بالليل، ويتضرَّرون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خِيف على الميت الانفجارُ، ونحو ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلاً‏.‏‏
3ـ أن الإمام إذا بعث سَرِيَّة، فغَنِمَت غنيمة أو أسرت أسيراً أو فتحت حصناً، كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه


ومنها‏:‏ أن الإمام إذا بعث سَرِيَّةً، فغنِمَت غنيمة، أو أسرت أسيراً، أو فتحت حِصناً، كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قسم ما صالح عليه أُكَيْدِر من فتح دُومة الجندل بين السريَّة الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارساً، وكانت غنائِمُهم ألفى بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كُلَّ رجل منهم خمسُ فرائض، وهذا بخلاف ما إذا أخرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو، فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابُوا يكون غنيمة للجميع بعد الخُمُس والنَّفلَ، وهذا كان هَدْيه صلى الله عليه وسلم‏.‏
4ـفي أن الجهاد يكون بالقلب، واللِّسان، والمال، والبدن


ومنها‏:‏ قولُه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنَّ بالمَدِينَةِ أقْواماً مَا سِرْتُمْ مَسيراً، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم‏)‏، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجُهَّال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له‏:‏ وهم بالمدينة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وهم بالمدينة حَبَسَهُمُ العُذْرُ‏)‏، وكانوا معه بأرواحهم، وبدار الهجرة بأشباحهم، وهذا مِن الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع، وهى القلب، واللِّسان، والمال، والبدن‏.‏ وفى الحديث‏:‏ ‏(‏جَاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَقُلُوبِكُم وأَمْوالِكُم‏)‏‏.‏

عود الأراك
03-28-2005, 09:19 AM
جزاك الله خيرا

ام فارس
03-28-2005, 10:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

فجزاك الله خيرا غاليتي الفارسة , اسال الله ان يبلغك رضوانه والجنة .

اختك ام فارس