مشاهدة النسخة كاملة : أولـئـك الـسـبـعــة الـعـظــام .... هـل أنـت واحـد مـنهـم ؟
أبو زيد
07-30-2005, 03:07 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فقد ترددت كثيراً عند كتابتي لهذا الموضوع ...... وطرحي لـه .... كيف سأبدأ فيه ؟ .... وكيف سيتم العرض ؟...... ليس تقليلا من شأنه ... وإنما في كيفية انتقاء الكلمات المناسبة .... التي تناسب عظمة أؤلئك السبعة العظام ..... وعظمة تلك الأعمال التي أوصلتهم لتلك المنزلة العالية الشريفة .....
فكل واحد من أولئك السبعة يحتاج منا أن نقف على عملة طويلا لنسبر طريقته ..... وسعيه الحثيث للحصول على تلك المرتبة العالية .... كيف تم له ذلك ؟ وكيف اصطفاه الله وميزه لهذا العمل الإلهي ؟ سنقف أيها الأخوة والأخوات بعض الوقفات مع كل واحد من أولئك السبعة ومع تلك الأعمال السبعة واحداً واحدا .... لنأخذ منها إشارات ودلالات سريعة علها تكون حافزاً لي وللجميع على شحذ الهمم وبلوغ الغاية وصعود القمة في نيل رضى الله تعالى .... فنقول وبالله التوفيق وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل :
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .... الإمام العادل .... وشاب نشأ في عبادة الله ..... ورجل قلبه معلق بالمساجد ..... ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ..... ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ...... ورجل تصدق بصدقه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ...... ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ))
ما أعظم كرم الله ..... وفضله العظيم .... والآخرة (( للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ))
إنها بشارة سباقة .... يأتي بها رسول البشرية وهادي الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم .... لنفر محدود من تلك البشرية الهائلة ...... إنهم سبعة فقط ...... وبشارتهم أعظم من بشارة الرجل العقيم الذي رزق بمولود ..... وأعظم من بشارة الرجل الغريق الذي قذف على بر الأمان .... وأعظم من بشارة الرجل الذي سيق لساحة القصاص فأتاه العفو والعتق ..... إنها بشارة الاستظلال ..... ليس تحت ظل شجرة يتقي بها من حر المصيف .... ولا في ظل كوخ يتقي به من برد الشتاء ..... إنه الاستظلال في ظل عرش رب العالمين يوم القيامة .....
ما أعظمه من موقف .... يوم يناديك الرب في ظل عرشه ..... ويبقى خلق لا يعلم عددهم إلا الله في عرقهم يتصببون ويغرقون ..... والشمس تلفح جلودهم .... ولا يدرون ما الله صانع بهم عند الحساب ..... ولا أين يساقون بعد ذلك ... إلى الجنة أم إلى النار ؟
تعال معي أخي الكريم وأختي الكريمة إلى أولئك السبعة العظام واختر لنفسك مع أي منهم سيكون مكانك غذا ؟!!
الأول / الإمــام العــادل : الذي لا يحكم إلا بالحق .... ولا يظلم أحداً لأحد .... ولو كان من أعز الخلق عليه ... وأحبهم إليه ... يرى القوي ضعيفا حتى يأخذ الحق منه لغيره .... ويرى الضعيف قويا حتى يأخذ حقه من ظالمه كائنا من كان ..... لا يفرق بين قريب وبعيد ..... وسيد ومسود ..... قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إحدى خطبه لما تولى الخلافه : ( أيها الناس لقد وليت عليكم ولست بخيركم ..... فإن أحسنت فأعينوني .... وإن أسأت فقوموني ..... الصدق أمانه والكذب خيانه ... والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه .... والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله تعالى ..... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله .... فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ..... قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله )
والإمام العادل يعتبر رعيته كأبنائه فيما لهم من العطف والحنان ..... والتربية الصالحة .... فيوجه ويعلم جاهلهم .... ويواسي فقيرهم ..... ويربي صغيرهم ... ويعالج مريضهم ..... متمثلا قول الله تعالى : (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ))
هذه هي الولاية العامة .... وهناك الولاية والرعاية الخاصة والتي تكون في مسؤلية رب الأسرة على أهل بيته ومن هم تحت يده .... ففي الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الإمام راع ومسؤول عن رعيته ... والرجل راع في بيت أهله ومسؤول عن رعيته .... والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ....... )) الحديث وقبل ذلك يأمر الله الناس كافة بوقاية النفس والأهل من النار في قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا )) ..... وكل ذلك داخل في الإمامة العادلة الذي ذكرها رسول الله في الحديث السابق ..... فمن فشل في قيادة دولته الصغيرة في بيته .... فكيف له أن يقود الأمة كلها ؟!!
إذا عرفنا ذلك جيدا ..... علمنا حق اليقين كيف اصطفى الله الإمام العادل وشرفة بتلك المنزلة العظيمة ليكون في ظل الله يوم لاظل إلا ظله .....
هذا هو الصنف الأول من أولئك السبعة العظام ولنا وقفة أخرى مع الصنف الثاني وهو الشاب الذي نشأ في عبادة الله
نسأل الله أن يشملنا بلطفه وكرمه وواسع فضله ومنته وأن يجود علينا بهذه الكرامة والمنزلة الرفيعه إنه سميع مجيب
أخوكم / أبــو زيــــد
ام فارس
07-30-2005, 03:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
طرح جيد , وفي أمس الحاجة اليه....
رعاكم الله وحفظكم ووفقكم لما يحبه ويرضاه..
نصر الله بكم دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعباده الصالحين.
ونحن في انتظار التتمة , اتم الله عليكم نعمه.
اختكم ام فارس
المميز
07-31-2005, 01:44 AM
جزيت خيرا أخي الفاضل
أبــــ أحمد ــو
07-31-2005, 08:17 AM
أحسنت بارك الله فيك
و نفع الله بك
أبو زيد
07-31-2005, 02:31 PM
قبل البدء في الكلام عن الصنف الثاني وهو ( شاب نشأ في عبادة الله ) أدعو بداية لمن تسبب في تثبيت الموضوع وأسأل الله أن يثبت قدمه يوم تزل الأقدام .
ثانيا : شاب نشأ في عبادة الله :
من علم أن الشباب ضيف لا يعود ..... وفرحة إذا مرت لا رجوع لها ...... دفعه ذلك والله إلى إن يديم النظر والتأمل في هذه المرحلة الطويلة من عمره ..... ويسأل نفسه كيف ستنقضي تلك المرحلة ؟ ...... وفي أي شيء ستمضي ؟
يجب أن تعلم أخي الفاضل وأختي الفاضلة : أن أجمل مرحلة في عمرك هي مرحلة شبابك...... وأن أطول فترة في عمرك هي فترة شبابك ...... وأن أغلى شيء في عمرك هو شبابك ..... فأنت تعيش بين مرحلتين بين مرحلة الصحة التي ليس فيها عقل وأعني بها مرحلة الطفولة ..... وبين مرحلة الشيخوخة والكهولة التي ليس فيها قوة ولا حيوية ....... أما من يعيش الصحة ونضوج العقل والحيوية فهم الشباب .....
لذا لا نستغرب بداية كيف بعث الله أنبيائة وحملهم الرسالة ...... إنهم في أفضل مراحل النضج والعقل في سن الأربعين ...... لذا لا نستغرب كذا حرص الإسلام وعنايته بهذه المرحلة بالذات في عدة وصايا في كتاب الله وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والتاريخ خير شاهد على ذلك ...... ففي خبر أصحاب الكهف يثني ربنا على أولئك الشباب في آية تتلى إلى يوم القيامة ويقول سبحانه عنهم : (( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم )) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : ذكر الله تعالى أنهم فتية وهم الشباب وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في دين الباطل ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا . أ.ه
وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحلة الشباب بمزيد من العناية وأنها مرحلة سوف يسأل عنها الشاب يوم القيامة ففي الحديث الذي رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به )) ..... ما أصعب السؤال !!! .....تخيل من عاش عمره كله بلا هدف وبلا هوية… ولكن تخيل أنك بعد أن تسأل عن عمرك بشكل عام تسأل عن شبابك على وجه الخصوص.ربما تقول.. ألم أسأل عن عمري كله فما الداعي أن أسأل عن شبابي مرة أخرى؟....... نعم… ذلك لأنه أهم مرحلة في حياتك ....لماذا نقول هذا الكلام أيها الأخوة ؟؟ ..........لأننا نرى مجتمعاتنا تعاني من شباب بلا أهداف .....
وعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( شاب نشأ في عبادة الله )) ..... أريد منكم ملاحظة تلك الكلمة النبوية وهي قوله (( نـشـــأ )) فالنشأة عبارة عن خروج هذا الشاب إلى عالم الحياة على تقوى من الله ..... نشأة من أبوين أفنا حياتهما من أجل إيجاد شاب وشابة بلباس التقوى ..... ومن هنا يتبين لنا أهمية الأسرة المكونة من أب وأم وأبناء ..... والسعي في إخراج شباب من هذه الأسرة على عبادة الله ..... إذن لا يمكننا أن نغفل جانب ودور الأبوين في تنشأة أبنائهما على ذلك ....
أيها الشباب.. إن لم تكن من الصنف الأول (( الإمام العادل )) فلا أظن أنك ستخرج عن الصنف الثاني (( شاب نشأ في عبادة الله ))
وفي النهاية..أريد أن ألخص كل ما قيل في كلمتين.. أخي الشاب أختي الشابة :
((( ضع غاية كبرى في حياتك..هي إرضاء الله عز وجل )))
وأنصحك بعد أن تقرأ هذا الموضوع أن تدخل غرفتك.. وأن تمسك بورقة وقلم.. وأن تكتب أهدافك في الحياة..
فمن العيب أن تعيش وتموت وأنت لا تعرف ماذا تريد في هذه الحياة.
اكتب أهدافك واسع إلى تحقيقها ولا تنس أن أعظم هدف في الحياة أن تعرف ربك خالق هذه الحياة وأن تعيش لإرضائه وأنت تمارس حياتك بشكل طبيعي.
نسأل الله أن يمتعنا والجميع بشبابنا وأن يرزقنا الهمة العالية في استغلاله فيما يرضي ربنا
أخــوكـــم / أبـــو زيـــــد
عمــريــة
08-01-2005, 10:02 PM
جزاكم الله خيرا
محبة القرآن
08-01-2005, 10:15 PM
*************
بارك الله فيكم وأحسن إليكم
وفي إنتظار التتمة أتم الله عليكم نعمته وفضله وإحسانه
أختكم / محبة القرآن
أبو زيد
08-02-2005, 01:24 AM
لا زلنا نحن وإياكم أيها الأفاضل نجوب في أعماق مشكاة نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ..... ونقف مع الصنف الثالث الذي فضله الله واصطفاه لأن يكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ......
ألا وهو : (( رجل قلبه معلق بالمساجد )) ..... فمن لي بمثل صاحب ذلك القلب التقي النقي ...... الذي يهفو ويطرب لسماع الأذان ..... وتسبقه خطواته لبيت الله ...... وتشتاق نفسه لترديد كلام ربه بين جدران بيته ..... وتطير روحه وهو يقف يناجي ربه في محراب مصلاه.... لا أظن أن هناك أحداً أسعد منه في الوجود ......
نعم ..... فعندما قال عليه الصلاة والسلام : (( ورجل قلبه معلق بالمساجد )) كان ذلك مصداقا لقوله تعالى عندما حكى سبحانه عن الذين يرفعون بيوت الله بالصلاة فيها ويسبحونه فيها بالغدو والآصال لأنهم يخافون ربهم ولم تلههم حياتهم الدنيا بأنواع المتاع الفاني الرخيص كل ذلك لم يمنعهم أن تتعلق قلوبهم بها .... فكان ذلك سببا في مجازاة الله لهم بالأحسن والزيادة من فضله بأنواع العطايا والمنن : (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال & رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار & ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ))
ولنا أن تأمل تلك المعنى النبوي الشريف في قوله عليه الصلاة والسلام (( قلبه معلق )) ..... إنه معنى عظيم يوحي بأن المرء المسلم لا يمكنه أبدا نسيان ذلك البيت الإلهي الجميل .... لأن قلبه معلق فيه ...... وكأنه علقه على شماعة التقوى التي لن يجدها أبدا إلا في بيت الله ...... ومعنى ذلك أن من علق قلبه بالمسجد فإنه لا شك أن قدمه ستكون أول قدم دخولا ..... وآخر قدم خروجا منه ..... وهي العلامة التي جعلها الله سبحانه شهادة حقيقية على إيمان العبد في قوله تعالى : (( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين )) وفي الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان )) ........
وأين كان سلفنا الصالح يبايعون الأئمة إلا في المساجد ..... وأين كانوا يخرجون الجيوش للجهاد إلا من المساجد ....... وأين كانوا يطلبون العلم إلا بين جدران المساجد ..... وأين كانوا يجتمعون إذا حزبهم أمر إلا في المساجد ........ فأين كان الحسن البصري ...... وأبو حنيفة ..... ومالك بن أنس ..... والشافعي ..... وأحمد بن حنبل ...... ونظراؤهم أين كانوا يجتمعون بالناس إلا في المسجد .......
أليس من كان قلبه معلق بتلك البيوت على تلك الصفة والهيئة والطموح الذي ينشده أليس حري به أن يحضى بتلك الكرامة الإلهية ...... ويناديه ربه يوم القيامة ليكون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ......
إذن يا أخي الكريم هذه بيوت الله مفتوحه لك في الصباح والمساء ..... ومنادي الرب يناديك كل يوم خمس مرات ..... هلم إلى ظل الرحمن ..... وروضة المنان ...... وراحة الأبدان ...... أسأل الله سبحانه أن يحشرنا وإياكم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله .....
أخــوكــم / أبـــو زيــــد
أبو زيد
08-03-2005, 02:44 AM
والحديث موصول أيها الأخوة في الله حول أولئك السبعة العظام ...... وبعد أن عشنا مع الأصناف الثلاثة الأول ..... نعيش في هذه اللحظات مع الصنف الرابع ...... الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ))
الله أكبر ..... ولله الحمد ..... أي منزلة وصلت بأولئك المتحابين في الله حتى يستظلون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ..... أي كرامة ..... وأي نعمة ..... يوم يأخذ الأخ بأخيه في ظل الله .....
إن الأمر ليس كذلك فحسب أيها الأخوة ..... بل إنه أعظم من ذلك بكثير وكثير ...... لقد تعجبت أشد العجب وتملكني إحساس وشعور فياض ...... يعتصر فؤادي ويعتصر عيني .... عندما قرأت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..... أريد من الجميع أن يمعنوا النظر فيه ..... ويتأملوه طويلا .... طويلا ..... طويلا ....
هذا الحديث الذي يصف لنا أن العبد تنزل به الكارثة في الآخرة بدخوله النار لتفريطه ...... فلا يخرج من هذه النار إلا بصاحب مؤمن اتخذه في الدنيا ..... يقبل الله شفاعته فيه ..... ففي الحديث الذي رواه ابن ماجة في المقدمة وصححة الألباني في صحيح ابن ماجه قال عليه الصلاة والسلام : (( إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا ... فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا ... أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار .... قال يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا .... ويصومون معنا ... ويحجون معنا ... فأدخلتهم النار!! .. فيقول : اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم ... فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم .... لا تأكل النار صورهم ... فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ... ومنهم من أخذته إلى كعبيه .... فيخرجونهم فيقولون : ربنا أخرجنا من قد أمرتنا ... ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان .... ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار .... ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل )) الحديث رواه ابن ماجه وصححه الألباني ......
أرأيتم .... كيف أن المحبة القائمة على حب الله .... أن ثمرتها الشفاعة لمن تحب يوم القيامة بإخراجه من النار ..... وليس كذلك فحسب .....
بل لقد سمعت بأذني قصة أغرب من الخيال .... في شريط لأحد مغسلي الموتى .... يقول في قصته : كنت ذات يوم في مكتبي في المغسلة .... فأتت سيارة بها جنازة ومعها أناس من ذوي المتوفى .... فأدخلنا الميت لداخل المغسلة .... ولما بدأت بتجريد ملابسه ... كان معي أحد الذين أحضروا الجنازة وكان يبكي بكاء مرا على هذا الميت .... فبسبب بكائه لم أستطع أن أقوم بعملي فذهبت إليه لكي أطمئن هذا الرجل وأصبره في مصابه ..... ظننت أنه شقيق المتوفى أو أحد أقاربه .... فقال لي : يا شيخ هذا الميت أعظم من أخي بكثير ..... إن هذا الميت صديق عزيز لي .... وكانت صداقتنا منذ أن كانت دراستنا في المرحلة الابتدائية فقد درسنا الابتدائية سوا .... والمتوسطة سواء ..... والثانوية سوا ..... وتخرجنا من كلية واحده ..... وتوظفنا في دائرة حكومية واحدة .....وتزوجنا أختين شقيقتين ..... وسكنا عمارة واحدة ..... وكل يوم الغداء عندي والعشاء عنده ..... وكل يوم نذهب للعمل يوم على سيارتي ويوم على سيارته ...... أسألك بالله يا شيخ : هل مر عليك في يوم من الأيام أخوين شقيقين بالحياة هذي ؟ .... قلت له : لا والله مارأيت ..... فلما سكت عن البكاء أتى معي ليساعدني على تغسيل صديقه ..... فلما انتهينا من تغسيله وتكفينه ذهبنا للصلاة عليه وصلينا عليه ودفناه في المقبرة ..... وذهب صديقه لمساعدة أهل الميت في تجهيز الغداء والعشاء لهم .....
ولما جاء من الغد حدثت الحادثة الأغرب والأعجب .... كنت أيضا في مكتبي .... وأتت إلي جنازة أخرى ..... لما كشفت الغطاء عنها .... ورأيت وجه الميت قلت لأهله ... إن هذا الوجه ليس بغريب علي .... فقال لي أحد الحاضرين ..... كيف يا شيخ : إن هذا الرجل كان معك بالأمس يساعدك على تغسيل صديقه .... عندها لم تتمالكني عظامي على الوقوف واغرورقت عيناي بالدموع وأنا أغسله ودموعي تتساقط على صدره ..... فغسلناه وكفناه وصلينا عليه ..... فلما ذهبنا للمقبرة ..... كان الأعجب من ذلك .... الغريب أنه يدفن في تلك المقبرة في اليوم الواحد ما يقارب أربع إلى سبع جنائز في الصف الواحد في المقبرة كل جنازة بجوار أختها .... فلما أتينا لدفنه وجدنا أن قبر صاحبه منفرد ليس بجواره أي جنازة ..... فدفنا ذلك الرجل بجوار صديقه جنبا إلى جنب ..... وبعد أن انتهينا من دفنه سألت أخاه كيف مات أخوك .... قال : ذكرت لنا زوجته أنه كان يستعد لتجهيز الغداء لبيت صديقه فنام قبل الظهر وقال لزوجته إذا أذن المؤذن فأيقظيني .... فلما أذن ذهبت لإيقاظه فوجدته قد فارق الحياة .....
لا جرم أيها الأحباب أن المتحابين في الله ..... والمتزاورين في الله .... والمتجالسين في الله ..... هم أولياء الله وهم أحبابه وأصفياؤه ..... وكيف لا ؟ .... وهم المغتبطون عند أهل السماء .... لما كان بينهم من تحاب في الله على الأرض .... في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وصححه الألباني قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء .... يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله عز وجل )) قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : (( هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم .... ولا أموال يتعاطونها ... فوالله إن وجوههم لنور ....وإنهم لعلى نور .... لا يخافون إذا خاف الناس .... ولا يحزنون إذا حزن الناس ... ثم تلا هذه الآية : (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ))
ويوصي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك ويقول : ( عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم .... فإنهم زينة في الرخاء .... وعدة في البلاء ..... وضع أمر أخيك على أحسنه ..... واعتزل عدوك .... واحذر صديقك إلا الأمين .... ولا أمين إلا من يخشى الله ..... ))
فإذا كانت المحبة في الله كذلك ..... نعلم عندها علم اليقين لماذا عدها النبي صلى الله عليه وسلم سببا في الاستظلال في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ......
أخــوكـــم / أبـــو زيـــــد
أبــــ أحمد ــو
08-03-2005, 08:26 AM
اللهم أجعلنا معهم
بارك الله فيكم أخي أبا زيد
أتِم أتَم الله عليك العفو و العافية
أبو زيد
08-04-2005, 12:54 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل أبو أحمد على مرورك الطيب وبارك الله في جميع الأخوة والأخوات الذين شاركوا معنا بكلماتهم الطيبة ومرورهم الطيب ......
ولا زالنا نعيش نحن وإياكم في ظل هذا الحديث نتقلب بين جوانبة من ظل إلى ظل ...... ومن نبع إلى نبع ...... ومن دوحة إلى دوحة .......
في هذه الوقفة نتأمل حياة الصنف الخامس من الذين استحقوا الفوز بظل الرحمن وهم من أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله )) ....... إنه المقام العظيم ..... الذي يتجلى في أعظم صوره ...... وأعظم مقاماته ...... إنه مقام الخوف من الله الجليل العظيم ....... في لحظة اجتمعت فيها كل وسائل الوقوع في سخط الله وغضبه دون رقيب ولا حسيب ولامشاهد ....... (( الخلوة بامرأة ....... ذات منصب ...... ذات جمال ..... في مكان خال ...... قد تهيأت له بكل وسائل الاستعداد للفاحشة ...... وهو رجل في قمة شبابه ........)) ...... لكن من الذي يمنع من الوقوع في هذه الحالة ؟....... ما العاصم من الوقوع بها ؟........ ما الحاجز الذي يحول بينه وبين مجرد النظر إليها ...... فضلا عن الوقوع بها ؟....... إنه مقام (( إني أخاف الله )) ......
لما أخبر الله سبحانه في سورة الرحمن بقوله (( ولمن خاف مقام ربه جنتان )) قال القرطبي : المعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية ....... وقال ابن كثير : أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل .... وخاف حكم الله فيه ونهى النفس عن هواها ..... وردها إلى طاعة مولاها .....
إن الخوف من الله حصن حصين ....... وسد منيع يقف في وجه كل معصية وكل بلية ........ وبالخوف من الله تفرج الكروب ...... وتستدفع البلايا ...... ويعلم الله صدق الخائف وبعده عن معصية ربه حبا في الله وخوفا منه ....... وإن أعظم شاهد على ذلك الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم ...... )) الحديث وفيه قال الثاني : (( اللهم! إنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال من النساء. وطلبت إليها نفسها. فأبت حتى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتى جمعت مائة دينار. فجئتها بها. فلما وقعت بين رجليها. قالت يا عبدالله! اتق الله. ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة. ففرج لهم. ))
في هذه المواقف تتجلى مراقبة الخالق ...... في أعظم صورها ومعانيها ....... ونحن نعيش زمن التفنن في عرض الفتن والشهوات وصور النساء الكاسيات العاريات ...... على شاشات التلفاز وتصدر صورهن صفحات المجلات والجرائد ...... وخروجهن في أبهى حلة وزينة لتتعرض إلى أماكن الرجال ...... في هيئة يندى لها الجبين ..... من أنواع الملابس الفاتنة ..... والحجاب الشيطاني ...... وأنواع العطور الجذابة ...... وتبادل الحديث مع زميلاتها بصوت صاخب وكأنها في منزلها وليست في مكان عام ....... ومجادلة الرجال في أماكن البيع والشراء بأنواع التوسلات والاستعطاف من أجل تخفيض في قيمة سلعة أعجبتها ......
لقد حرص الإسلام على أن ينأى بالناس عن الشهوات الحيوانية والأخلاق الشيطانية ، والنفس بطبيعتها كثيرة التقلب والتلون تؤثر فيها المؤثرات وتعصف بها الأهواء والأدواء ، فالنفس أمارة بالسوء ، تسير بصاحبها إلى الشر ، فإن لم تُستوقف عند حدها وتلجم بلجام التقوى والخوف من الله وتأطر على الحق أطرا ، وإلا فإنها داعية لكل شر وهوى ومعصية ........ والناظر بعين بصره وبصيرته في عالم اليوم ، يرى حقيقة ما وصل إليه أبناء هذا العصر مما يسره الله لهم من اكتشافاتٍ واختراعات في وسائلِ الاتصالات والتقنية من أنواعِ الهواتف وشبكات المعلومات وقنواتِ البث وغيرها من وسائل الاتصال والإعلام من مسموع ومقروء ومشاهد ، مما حدى بالقائمين عليها إلا ما رحم ربي بتسخيرها واستغلالها في تعرية المرأة وتحريرها واستعبادها وإخراجها من بيتها ، حتى هلك الكثير من بني الإنسان في مستنقع الرذيلة ومغريات الشهوة ، وانسلخت من النفوس المروءة والعفة والغيرة والطهر والعفاف ........
فلو تحقق في هؤلاء جميعا صدق هذه المقولة الربانية : (( إني أخاف الله )) لنالوا خيرا عظيما ..... وسعدوا سعادة واسعة ...... من الذي يصدح بها عاليا في وجه الطغيان ؟ ...... ويقول للشهوة إني أخاف الله ........ ومن الذي يرمي بها في وجه المغرضين والمتفننين في عرض المرأة في أبشع صورها ؟ ...... ويقول لهم : إني أخاف الله ....... ومن الذي إذا خلا بنفسه وأغلق عليه الأبواب لينتهك حرمات الله .... تذكر خوف الله .... وعظمة الله ..... ورؤية الله له ..... فقالها في إيمان صادق : إني أخاف الله ....... من الذي إذا خرج من بيته متجها إلى سوق من الأسواق وسقطت عينه على ما يغضب الله ..... تذكر جلال الله وعظمة الله فقال : إني أخاف الله ؟ ......
هل زهد أولئك فيما عند الله من الفوز العظيم ..... لمن منع نفسه عن الحرام ..... ليبدله الله ويعوضه عنه خيرا منه في الدنيا بإيمان يجد حلاوته في قلبه ....... وفي الآخرة بظل الله يوم لا ظل إلا ظله ؟ ....... يا من يبحث عن الشهوات والملذات ..... كم من طاعة ذهب تعبها وبقي أجرها ؟ ....... وكم من معصية ذهبت لذتها وبقيت حسرتها ؟
والله أسأل ان يملأ قلبي وقلوبكم خوفا منه وإجلالا وتعظيما ..... وأن يجيرنا جميعا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ..... إنه سميع مجيب
أخــوكــم / أبــو زيــــد
بارك الله فيكم و جزيتم خيرا
أبو زيد
08-06-2005, 08:31 AM
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد :
فلا زال حديثي معكم موصول أيها الأحبة في الله حول حديث السبعة العظام الذين اصطفاهم الخالق سبحانه لهذا المقام العظيم ..... وبعد أن تأملنا أحوال الخمسة الأول منهم ....... دعونا نتأمل حال الصنف السادس منهم وهم الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم : (( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ))
في هذا المقام يتميز أصحاب أولئك الصنف بميزتين عظيمتين : الأولى : بذل الصدقة ....... والثانية : الإخلاص فيها وذلك بإخفائها سرا .
وشأن الصدقة عظيم وفضلها لايخفى على أحد فقد شرعت لغرضين جليلين: أحدهما: سد خَلَّة المسلمين وحاجتهم، والثاني: معونة الإسلام وتأييده
يا أيها المتصدق ...... لقد أحسنت لما سلكت هذا الطريق ... فإنه طريق بدايته منك ونهايته في ظل الله ..... أتعلم لماذا ؟ ...... لأنك بذلك تبذل القليل ولكن الله يربي هذا القليل حتى يصبح عنده عظيم يقول سبحانه : (( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم )) إن الذين يبذلون الصدقات ولو بالقليل إنهم لا يتعاملون مع الناس فحسب ..... إنما هم يقرضون الله ويتعاملون مباشرة معه، فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد، وأنه يتعامل مع مالك الوجود؟ وأن ما ينفقه مُخْلَف عليه مضاعف، وأن له بعد ذلك كله أجراً كريماً .... (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ))
واسمع أيها الباذل للصدقة ما يبشرك بالخير من نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام حيث يقول : (( ما تصدق أحد بصدقة من طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ إلا أخذها الرحمن بيمينه ـ وإن كان تمرة ـ فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل؛ كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله )) رواه البخاري ومسلم قال ابن حجر: "الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم ـ لا سيما الصدقة ـ فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل... والظاهر أن المراد بعظمها: أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها"
وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً جاء بناقة مخطومة فقال: "هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلها مخطومة ))
ليس هذا فحسب ..... بل إنك أيها المتصدق تمسح بالصدقة الخطايا والسيئات كما أخبر بذلك سبحانه في قوله : (( وسارعوا إلى" مغفرة من ربكم وجنة عرضها السمـوات والأرض أعـدت للمتقـين # الذيـن ينفقـون في السـراء والضـراء والكاظمـين الغيـظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين )) وفي الحديث الذي صححه الألباني : قوله صلى الله عليه وسلم : "تصدقوا ولو بتمرة؛ فإنها تسد من الجائع، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار )) .... وما أخرجه البخاري في صحيحه في باب: الصدقة تكفر الخطيئة من حـديث حذيفـة ـ رضي الله عنه ـ وفيه: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف ))
يا باذل الصدقة إنك في يوم المحشر تعيش الراحة والاستظلال لقد بشرك بذلك حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول كما في مسند الإمام أحمد وصححة ابن خزيمة والحاكم : (( كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس )) وقد أدرك السلف هذا الأمر واستوعبوه، فاعتنوا بالصدقة والإنفاق في مرضاة الله ـ تعالى ـ أيما عناية؛ ومواقفهم في ذلك أكثر من أن تحصر........ وهذا مـرثد المزني الفقيه الثبت كان لا يخطئه يـوم لا يتصدق فيه بشيء، ولا يخرج إلى المسجد إلا وفي كُمِّه صدقة: إما مال ، وإما خبز، وإما قمح حتى ربما شوهد ومعه في كُمِّه بصل، فيقال له: إن هذا ينتن ثيابك. فيقول: إني لم أجد في البيت شيئاً أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ظل المؤمن يوم القيامة صدقته"
ثم قال عليه الصلا والسلام : (( فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه )) ........ وهذا هو السر العجيب في الذين يريدون وجه الله ...... والبعيدين عن مدح الناس وثنائهم ........ إنهم يبذلون أموالهم سرا ...... فيطعمون الطعام للفقراء ...... ويفكون أسر العاني الضعيف ....... ويقضون ديون المساكين ....... ولا يعلم بهم أحد من أهل الأرض ..... لا قريب مقرب ...... ولا جار ..... ولا صديق ...... ولا يتحدثون بذلك في مجالس العامة ..... ولا يريدون أبدا أن يعلم بهم أحد ...... إنهم بتلك المنزلة قد بلغوا مبلغا عظيما من الله في إخلاصهم فاستحقوا من الله الفضل العظيم ..... ويناديهم ربهم سبحانه يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة ..... اليوم أظلكم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي .....
اللهم بلغنا تلك المنزلة التي نعمل فيها العمل لوجهك الكريم ......و لا نريد به جزاء ولا شكورا من أحد من خلقك ..... وارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا .... يا ذا الجلال والإكرام
أخــوكــم / أبــو زيـــد
أبو زيد
08-08-2005, 08:54 AM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فهذه آخر الوقفات في هذا الحديث النبوي المنبثق من مشكاة النبوة ...... مع آخر صنف من أهل الاستظلال يوم القيامة وهم الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ))
إن في الخلوة أسرار عجيبة .... يتجلى فيها تعظيم الخالق والخوف منه ..... وياحسرة الذين إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ...... ويافوز وسعادة الذين إذا خلوا بالله سبحانه بكوا من خشيته ...... انظروا إلى الفرق العظيم بين هؤلاء الصنفين ..... إنهم يجمعهم رابط واحد وهو (( الـخـلــــوة بالله )) ..... ونحن يهمنا في هذا المقام الصنف الأول الذين خصهم الله بمزيد العناية والاهتمام وهم الذين بكوا من خشية الله إذا خلوا بربهم .....
فقد امتح الله أولئك الأقوام في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه : (( وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ..... )) وقال سبحانه : (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ..... )) وقال سبحانه : (( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد )) وقال سبحانه : (( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ))
وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبكي من خشية الله فقال : (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع )) ... وقال عليه الصلاة والسلام : (( حرم على عينين أن تنالهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر )) .... قال أهل العلم في معنى قوله : (( حرام على عينان أن تنالهما النار )) أي : لا تمسهما ولا تمس صاحبهما ....
وقد كان صحابة رسول الله إذا وعظهم النبي بكوا من ذلك ..... ألم تمسع إلى خبرهم : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ...... ولذلك كان الذين يبكون من خشية الله ويبكون على خطاياهم وعلى ذنوبهم التي اقترفوها قال عليه الصلاة والسلام : (( طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته )) كانت الموعظة تؤثر فيهم لما كانت قلوبهم لينه ..... قال أحدهم في مجلس الأوزاعي : كان الأوزاعي إذا وعظ أقول في نفسي : ترى في المجلس أحد لم يبكي ..... قال أحد السلف : كنت إذا أحسست من قلبي بقسوة أتيت محمد بن واسع فنظرت إليه نظرة وكنت إذا رأيت وجهه حسبته وجه ثكلى .... وكان يقول : أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه ......
هذا هو بكاء الخشية من الله ..... فما بالك أخي الحبيب يوم ترى في يوم القيامة أهل النار وهم يبكون في النار قال صلى الله عليه وسلم : (( إن أهل النار ليبكون حتى لو أن أجريت السفن في دموعهم جرت وإنهم ليبكون الدم )) وفي رواية أخرى : (( يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيه السفن لجرت )) حديث حسن ......
قرأ أحد السلف قوله تعالى : (( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا )) فسجد ثم أخذ يلوم نفسه ويقول هذا السجود فأين البكاء .......
ولقد كانت الجمادات تبكي من خشية الله تعالى .... فهذا الجذع الذي كان يخطب عليه النبي عليه السلام وكان يسمع المواعظ والخطب .... لما اتخذ عليه الصلاة والسلام المنبر وعلاه بكى الجذع وصار يحن كحنين الطفل حتى نزل إليه صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه حتى سكن وقال عليه الصلاة والسلام : (( إن هذا بكى لما فقد من الذكر ))
ونحن كم مرة بكينا فيها من خشية الله ؟ ..... ومتى هي آخر مرة ؟ ...... وفي أي مكان كانت ؟ ...... اعتزل الناس في يوم من الأيام في غرفتك ......في مسجدك ...... ثم تذكر جلال الله وعظمة الله ..... وما أعده الله لأهل الجنة ..... وما أعده لأهل النار ..... ثم تذكر هل أديت الأعمال التي بسببها يكون دخولك للجنة ...... أم أن أكثر أعمالك هي أعمال أهل النار ؟ ...... أخلوا بنفسك في ساعة لا يكون فيها منغص ولا شاغل يشغلك فيها عن الله وأفضل ذلك الثلث الأخير من الليل .... حيث ينزل الرب سبحانه إلى السماء الدنيا والناس نيام ..... وأنت قائم بين يديه تناجيه وتدعوه وتستأنس بالله في خلوتك ...... ثم تذكر تقصيرك في طاعته وما أوجب عليك ...... إذا لم تدمع عينك في هذه الساعة فاعلم أنك من أهل القسوة وسل الله أن يلين قلبك لطاعته ......
يا من يبحث عن الظل الوافر ..... والمكان الهانئ ..... والراحة الأبدية ..... والسعادة القلبية .... هذه هي أسبابها ..... أتعجز أن تكون أحد أولئك السبعة العظام ..... والله إن عجزت عن ذلك فأنت خاسر وقد انتصر عليك الشيطان .......
أخي .... أتعجز أن تكون إمام عادل ....... أخي أتعجز أن تنشأ على عبادة الله ....... أخي أتعجز أن تعلق قلبك بالمساجد ..... أخي أتعجز أن تحب إخوانك في الله ...... أخي أتعجز أن تمنع نفسك عن الحرام خوفا من الله ...... أخي أتعجز أن تبذل الصدقة سرا وإخلاصا لله ...... أخي أتعجز أن تبكي من خشية الله ......
والله إن عجزت عن تلك الأعمال السبعة كلها ...... والله إنك لخاسر ..... والله إن همتك لدنيئة ..... والله إنك لرضيت بحياتك الدنيا وزينتها ..... فأقبل وأسرع وشمر عن ساعد الجد وقل يارب إني مقبل عليك فاقبلني ولا تطردني ..... يارب وفقني لنيل تلك الأعمال كلها لأضرب فيها بكل سهم ...... يارب إن وجهك كريم ..... وظلك عظيم .... وأنا العبد الضعيف بلغني رضاك وأسعدني بتقواك يا أرحم الراحمين ......
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أخــوكــم / أبــو زيـــد
أبــــ أحمد ــو
08-08-2005, 01:27 PM
يا من يبحث عن الظل الوافر ..... والمكان الهانئ ..... والراحة الأبدية ..... والسعادة القلبية .... هذه هي أسبابها ..... أتعجز أن تكون أحد أولئك السبعة العظام ..... والله إن عجزت عن ذلك فأنت خاسر وقد انتصر عليك الشيطان .......
أخي .... أتعجز أن تكون إمام عادل ....... أخي أتعجز أن تنشأ على عبادة الله ....... أخي أتعجز أن تعلق قلبك بالمساجد ..... أخي أتعجز أن تحب إخوانك في الله ...... أخي أتعجز أن تمنع نفسك عن الحرام خوفا من الله ...... أخي أتعجز أن تبذل الصدقة سرا وإخلاصا لله ...... أخي أتعجز أن تبكي من خشية الله ......
والله إن عجزت عن تلك الأعمال السبعة كلها ...... والله إنك لخاسر ..... والله إن همتك لدنيئة ..... والله إنك لرضيت بحياتك الدنيا وزينتها ..... فأقبل وأسرع وشمر عن ساعد الجد وقل يارب إني مقبل عليك فاقبلني ولا تطردني ..... يارب وفقني لنيل تلك الأعمال كلها لأضرب فيها بكل سهم ...... يارب إن وجهك كريم ..... وظلك عظيم .... وأنا العبد الضعيف بلغني رضاك وأسعدني بتقواك يا أرحم الراحمين ......
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أخــوكــم / أبــو زيـــد
جزيتم خيرا أخي أبا زيد و أحسن الله إليكم و رفع قدركم و ثقل موازينكم و ختم لكم بالصالحات أعمالكم
أخوك ....أبو أحمد
أبو زيد
08-08-2005, 08:17 PM
وبارك الله فيك أخانا الفاضل أبــ أحمد ــو ونفع الله بكم وبجميع الأخوة المشرفين والمشرفات
الأخت الفاضله أم فارس وأخونا المميز وأخواتنا عمرية ومحبة القرآن وحسنا بارك الله فيكم جميعا وفي مروركم الكريم وشكر الله إضافاتكم الرائدة والجميلة التي زادت من جمال الموضوع وإشراقه
وأسال للجميع التوفيق والسداد لما فيه الخير والصلاح ..... أخـــوكـــم / أبـــو زيــــد
عصفوره
12-28-2007, 07:51 PM
جزاك الله عن كل مسلم ومسلمة خير الجزاء وأعظمه
زهرة الخزامى
08-01-2009, 10:39 PM
طرح رااائع
جزاك الله خير
vBulletin® v3.8.2, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises Ltd.